<title type="main">رسالة في أجزاء خبريّة في الموسيقى risāla fī aǧzāʾ ẖabariyya fī al-mūsīqā يعقوب بن إسحاق الكندي ... ... ... ... ... ... تحقيق أنس غراب

أكثر معلومات حول المؤلّف ألمانيا برلين Staatsbibliothek We. 0/1240 : 31 ظ-35 و اثار الله لك من خفيات الامور بموضحات الرسوم افضل العلوم سلت اباح الله لك الخيرات ايضاح اصناف الايقاعات وتمضى فيه مع الطبيعة ولا تزال كذلك حتى ترى غايصة ﺎﻠﻋﺮﺒﻳّﺓ الجمهوريّة التّونسيّة سيدي بوسعيد مركز الموسيقى العربيّة والمتوسّطيّة - قصر « النّجمة الزّهراء » 0/118 : - نسخة غير مكتملة ﺎﻠﻋﺮﺒﻳّﺓ
وصف محتوى الكتاب
فهرس الكتاب
[مقدّمة]

أنار إليه من خفيّات الأمور بموضحات الرّسوم أفضل العلوم.

سألت - أباح اللّه لك الخيرات - إيضاح أصناف الإيقاعات وكمّيّتها، وكيفيّة ترتيبها وأزمانها، وكيفيّة استعمال الموسيقى لها في الزّمن المحتاج إليها فيه، إذ كان أهل هذا العصر من أهل هذه الصّناعة الأغلب عليهم فيها لزوم العادة لطلب موافقة من حضرهم عند استعمالهم لها، وترك الأوجب في ترتيب ما جرت عليه عادة الفلاسفة المتقدّمين من اليونانيّين من استعمالها على حسب التّرتيب الأوجب فيها. فرأيت إجابتك إلى ذلك رجاء منّي أن يكون ذلك من أحد الأسباب المبلغات بك مرادم، وأن يجعل ذلك بأوجز لفظ وأقرب معنى معرّى من البراهين، ليسهل ذلك لك الحفظ، وتخفّ عليك فيه المؤونة، وأضيف إلى ذلك ما ناسبه في الشّكل، واللّه موفّقنا وهو وليّ الحقّ ومبدع الخلق.

وإذ كان غرضنا في هذه الأجزاء الخبريّة من الموسيقى الإيجاز، فالأوجب أن نقتصر من ذكر الإيقاعات على العناصر التي هي كالجنس لسائر الإيقاعات - إذ أضفتها إلى الأعداد أشرف الإضافات - ونلغي ذكر ما سواه ممّا كانت تستعمله الأوائل في الدّهر السّالف، إذ كان ذلك من أحد المستعملات للفكر، ونحصر ذلك في مقالتين وثمانية فصول، فنبتدئ بشرح فصول المقالة الأولى من هذا الكتاب وهي أربعة فصول :

  • الفصل الأوّل - من المقالة الأولى - : في الإيقاعات
  • الفصل الثّاني : في كيفيّة الانتقال من إيقاع إلى إيقاع
  • الفصل الثّالث : في كسوة الموسيقى - أي الإيقاعات المرتّبة - لأيّ الأشعار المشاكلة
  • الفصل الرّابع : في كيفيّة [استعمال] الموسيقى للإيقاعات والأوزان الشّعريّة على حسب الأزمان الواجب فيها ذلك.

المقالة الثّانية أربعة فصول :

  • الفصل الأوّل : في مشاكلة الأوتار لأرباع الفلك وأرباع البروج وأرباع القمر وأركان العناصر ومهبّ الرّياح وفصول السّنة وأرباع الشّهر وأرباع اليوم وأركان البدن وأرباع [عمر] الإنسان وقوى النّفس المنبعثة في الرّأس وقواها الكائنة في البدن وأفعالها الظّاهرة في الحيوان.
  • [الفصل] الثّاني : في مزاجات الألوان.
  • [الفصل] الثّالث : في مزاجات الأراييح.
  • [الفصل] الرّابع : في نوادر الفلاسفة في الموسيقى
المقالة الأولى

الفصل الأوّل : في الإيقاعات

أمّا الإيقاعات التي هي كالجنس لسائر الإيقاعات، فتنقسم بثمانية إيقاعات وهي : الثّقيل الأوّل، الثّقيل الثّاني، الماخوري، خفيف الثّقيل، الرّمل، خفيف الرّمل، خفيف الخفيف، الهزج.

أمّا الثّقيل الأوّل فثلاث نقرات متواليات، ثمّ نقرة ساكنة، ثمّ يعود الإيقاع كما ابتدئ به.

والثّقيل الثّاني ثلاث نقرات متواليات، ثمّ نقرة ساكنة، ثمّ نقرة متحرّكة، ثمّ يعود الإيقاع كما ابتدئ به.

والماخوري نقرتان متواليتان لا يمكن أن يكون بينهما زمان نقرة، ونقرة منفردة وبين وضعه ورفعه، ورفعه ووضعه زمان نقرة.

وخفيف الثّقيل ثلاث نقرات متواليات لا يمكن أن يكون بين واحدة منها زمان نقرة، وبين كلّ ثلاث نقرات وثلاث نقرات زمان نقرة.

والرّمل نقرة منفردة، ونقرتان متواليتان لا يمكن بينهما زمان نقرة، وبين رفعه ووضعه ووضعه ورفعه زمان نقرة.

وخفيف الرّمل ثلاث نقرات متحرّكات، ثمّ يعود الإيقاع كما ابتدئ به.

وخفيف الخفيف نقرتان متواليتان لا يمكن بينهما زمان نقرة، وبين كلّ نقرتين ونقرتين زمان نقرة.

والهزج نقرتان متواليتان لا يمكن بينهما زمان نقرة، وبين كلّ نقرتين ونقرتين زمان نقرتين.

الفصل الثّاني : في كيفيّة الإنتقالات من ايقاع إلى ايقاع

أمّا الأوجب في كيفيّة استعمال الموسيقى لترتيب النتقالات الإيقاعيّة فهو أن تجعل انتقاله من خفيف الثّقيل إلى الثّقيل الأوّل، ومن الثّقيل الأوّل إلى الماخوري، ومن الماخوري إلى الثّقيل الثّاني، ومن خفيف الرّمل إلى ثقيل الرّمل، ومن الهزج إلى خفيف الرّمل، ومن ثقيل الرّمل إلى الماخوري.

وإذا كان الموسيقي حاذقا فوقف عند النّقرتين الأخيرتين من ثقيل الرّمل، ثمّ تلاها بالنّقرة، ثمّ وقف وقفة خفيفة، ثمّ ابتدأ بالماخوري؛ وكذلك من الماخوري إلى ثقيل الرّمل. وهو وكذا الاستحالات جميعا مؤتلفة.

الفصل الثّالث : في كسوة الموسيقى : أيّ الإيقاعات المرتّبة لأيّ الأشعار

إنّه يجب أن تكسى الأشعار المفرحة بمثل الأهزاج والأرمال والخفيفة.

وما كان من المعاني المحزنة فبمثل الثّقيل الأوّل والثّاني

وما كان من المعاني الإقداميّة والتّحدّيّة وشدّة الحركة والتّعجّل فبمثل الماخوري وما وازنه.

الفصل الرّابع : في كيفيّة استعمال الموسيقى للإيقاعات والأوزان الشّعريّة على حسب ترتيب الأزمان لذلك فيها

والأوجب على الموسيقى أن يستعمل في كلّ زمن من أزمان اليوم ما شاكل ذلك الزّمن من الإيقاع. مثلا : استعماله في ابتداءات الأزمان للإيقاعات المجدية والكرميّة والجوديّة، وهما الثّقيل الأوّل والثّاني. وفي أواسطها وعند قوّة النّفس للإيقاعات الإقداميّة والتّحدّيّة وهو الماخوري وما شاكله، وفي أواخرها وعند انبساط النّفس للإيقاعات السّروريّة والطّربيّة وهي الأهزاج والأرمال والخفاف.

أمّا عند النّوم ووضع النّفس للإيقاعات الشّجويّة وهو الثّقيل الممتدّ وما شاكله.

المقالة الثّانية المقالة الثّانية

الفصل الأوّل : في مشاكلة الأوتار لأرباع الفلك وأرباع البروج وأرباع القمر وأركان العناصر ومهبّ الرّياح وفصول السّنة وأرباع الشّهر وأرباع اليوم وأركان البدن وأرباع [عمر] الإنسان وقوى النّفس المنبعثة في الرّأس وقواها الكائنة في البدن وأفعالها الظّاهرة في الحيوان.

أمّا كمّيّة عدد الأوتار [في العود] فأربعة وهي : البمّ والمثلث والمثنى والزّير.

فأمّا الزّير فإنّه جعل مناسبا من أرباع الفلك لأوّل جزء من وسط السّماء إلى آخر جزء من المغرب، ومن أرباع البروج من أوّل جزء من السّرطان إلى آخر جزء من السّنبلة، ومن أرباع القمر من وقت تربيعه الأيسر للشّمس إلى استقباله [لها]، ومن أركان العناصر إلى النّار، ومن من الرّياح إلى الجنوب، ومن فصول السّنة إلى الصّيف، ومن أرباع الشّهور من أوّل اليوم السّابع إلى الرّابع عشر، ومن أرباع اليوم من نصف النّهار إلى مغيب نصف القرص، ومن أركان البدن إلى الصّفراء، ومن أرباع [عمر] الانسان إلى الشّباب، ومن قوى النّفس المنبعثة في الرّأس إلى القوّة الفكريّة، ومن قواها في البدن إلى القوّة الجاذبة، ومن أفعالها الظّاهرة في الحيوان إلى الشّجاعة.

[أمّا المثنى] فيناسب من أرباع الفلك آخر جزء من المغرب إلى أوّل جزء من الطّالع، ومن أرباع البروج من أوّل الحمل إلى آخر الجوزاء، ومن أرباع القمر من أوّل مقارنته للشّمس إلى أوّل تربيعه لها، ومن أركان العناصر الهواء، ومن الرّياح الصّبا، ومن فصول السّنة إلى الرّبيع، ومن أرباع الشّهر من أوّل يوم من الشّهر إلى السّابع منه، ومن أرباع اليوم منذ طلوع نصف القرص إلى أن تتوسّط الشّمس السّماء، ومن أركان البدن الدّم، ومن أرباع [عمر] الإنسان الحداثة، ومن قوى النّفس المنبعثة في الرّأس القوّة المسمّاة الفنطاسيا وهي المخيّل، ومن قواها في البدن القوّة الهاضمة، ومن فعالها الظّاهرة في الحيوان العقل.

المثلث مناسب من أرباع الفلك أوّل جزء من الطّالع إلى أوّل جزء من الرّابع، ومن أرباع البروج لأوّل جزء من الميزان إلى آخر جزء من القوس، ومن أرباع القمر من وقت استقباله الشّمس إلى أن يصير في تربيعه الأيمن، ومن أركان العناصر إلى الأرض، ومن الرّياح الشّمال، ومن فصول السّنة الخريف، ومن أرباع الشّهر من اليوم الرّابع عشر إلى اليوم الحادي والعشرين، ومن أرباع ليوم من وقت مغيب نصف القرص إلى انتصاف اللّيل، ومن أركان البدن [السّوداء، ومن أرباع عمر الانسان] إلى الاكتهال، ومن قوى النّفس المنبعثة في الرّأس القوّة الحفظيّة، ومن قواها في البدن الماسكة، ومن أفعالها الظّاهرة في الحيوان الجبن.

البمّ مناسب من أرباع الفلك لأوّل جزء من الرّابع إلى آخر جزء من السّابع، ومن أرباع البروج لأوّل جزء من الجدي إلى آخر جزء من الحوت، ومن أرباع القمر من وقت تربيعه الأيمن إلى محاقه، ومن الأركان الماء، ومن الرّياح الدّبور، ومن فصول السّنة الشّتاء، ومن أرباع الشّهر من اليوم الحادي والعشرين إلى آخره، ومن أرباع اليوم من انتصاف اللّيل إلى طلوع نصف القرص، ومن أركان البدن البلغم، ومن أرباع [عمر] الإنسان الشّيخوخة، ومن قواها في البدن الدّافعة، ومن أفعالها الظّاهرة في الحيوان الحلم.

وقد يلزم حركات النّفس وانتقالها من حال إلى حال بخواصّ حركات الأوتار على حسب ما قدّمناه من طبعها أو مناسباتها - ما يكون ظاهرا للحسّ، منطبعا في النّفس.

فممّا يظهر بحركات الزّير في أفعال النّفس : الأفعال الفرحيّة والعزّية والغلبيّة وقساوة القلب والجرأة وما أشبهها، وهو مناسب لطبع الماخوري وما شاكله. ويحصل من قوّة هذا الوتر وهذا الإيقاع : أن يكونا مقوّيين للمرار الأصفر محرّكين له، مسكّنين للبلغم مطفيّين له.

وممّا يلزم المثلث من ذلك : الأفعال الحنينة والمراثي والحزن وأنواع البكاء وأشكال التّضرّع وما أشبه ذلك، وهو مناسب للثّقيل الممتدّ. ويحصل من هذا الوتر وهذا الإيقاع أن يكونا : مقوّيين للبلغم محرّكين له، مسكّنين للصّفراء مطفّيين لها.

وممّا يلزم البمّ من ذلك : الأفعال السّروريّة تارة والتّرحيّة تارة، والحنين والمحبّة وما أشبه ذلك. وهو مناسب للأهزاج والأرمال والخفيف وما أشبه ذلك. ويحصل من هذا الوتر وهذه الإيقاعات أن تكون مقوّية للسّوداء محرّكة لها مسكّنة للدّم مطفيّة له.

فإذا مزج بينها كان [ذلك] كمزاج الطّبائع الأربع، ويظهر من آثارها في أفعال النّفس خلاف ما ظهر من تأثيرها على الانفراد.

فمزاج الزّير والمثلث كممازحة الشّجاعة والجبن وهو الاعتدال، وكذلك [يحصل] بينهما ائتلاف.

وممازجة المثنى والبمّ كممازجة السّرور والحزن وهو الاعتدال، وكذلك [يحصل بينهما] ائتلاف.

وتعرض لها أيضا خواص في أفعالها من جهة قسمة الدّساتين واختلاف أوضاع الأصابع، والابتداءات والمقاطع، ما يتهيّأ للمرتاض أن يقف منها عند فحصه عنها على حالات كثيرة من الاختلاف في الوضع.

والّذي يحصل من جهة تأثيرات أفعال الزّير في النّفس : حركة الشّجاعة، ومن طبع الشّجاعة : الملك والجود والكرم.

ومن تأثيرات المثنى : العقل، ومن طبع العقل : السّرور واللّذّة والعشق وحسن الخلق.

ومن طبع المثلث : الجبن، ومن طبع الجبن : الذّلّ والبخل والنّدامة والضّعة.

ومن طبع البمّ الحلم، ومن طبع الحلم : السّرور تارة والحزن تارة وانقطاع النّفس والمرثيّة والكمدة.

الفصل الثّاني : في مزاجات الألوان

فإذا قدّمنا ذكر ما يجب تقديمه من قوى أفعال الأوتار، والايقاعات، وتحريكها لقوى النّفس من جهة الحاسّة السّمعيّة، فلنذكر ما يصل إلى النّفس بالحاسّة البصريّة من قوى مزاجات الألوان، إذ كان مشاكلا لما قدّمناه فنقول :

إنّه إذا قرنت الحمرة بالصّفرة تحرّكت القوّة العزيّة

وإذا قرنت الصّفرة بالسّواد تحرّكت القوّة الذّلّيّة :

وإذا قرن السّواد بالحمرة والصّفرة والبياض معا تحرّكت القوّة الكرميّة

وإذا قرن الوردي [و] السّواد بالصّفرة الشّعيّة تحرّكت القوّة العزّيّة أيضا.

وإذا قرن الوردي بالصّفرة التّرنجيّة والأسود البنفسجي تحرّكت القوّة السّروريّة واللّذّة معا.

وإذا قرن البياض الّذي قد شابه صفرة - وهو التّفّاحي - بالحمرة تحرّكت القوّة اللّذّيّة مع القوّة الشّوقيّة.

وإذا قرنت الألوان كلّها بعضها إلى بعض كالبهار الممزوج في خدّ البنات تحرّكت القوى كلّها، وحرّكت المصوّر والفكر والوهم والذّكر حتّى يطلع على القوى الملوكيّة والعزّيّة والجوديّة واللّذّيّة، وعلى سائر ما وصفنا من القوى حين ترى غائصة في بحر اللّذّات العقليّة.

وإذا مزج لونان من تلك أو ثلاثة، أو خولف بين الألوان ظهر من قوّة كلّ لون على حسب ما قدّمنا.

الفصل الثّالث : في مزاجات الأراييح

فإذ قد ذكّرنا ما يترقى إلى النّفس من الحاسّة السّمعيّة والبصريّة، فلنذكر ما يتأدّى إليها من الحاسّة الشّمّية فنقول :

إنّ رائحة الياسمين تحرّك القوّة العزّيّة،

والنّرجس يحرّك القوّة اللّذّيّة الغنجيّة والحركة المؤنّثة، وكذلك إذا مزجت رائحة الآس والسّوسن والبهار والشّقائق،

وإذا مزجت رائحة الياسمين والنّرجس، تحرّكت القوّة العزّيّة واللّذّيّة،

وإذا مزج السّوسن مع الورد تحرّكت القوّة المحبّيّة مع الفخريّة،

وإذا مزجت رائحة الخيرى مع النّرجس، تحرّكت القوّة الجوديّة مع المحبّيّة،

وإذا مزجت رائحة الغالية مع رائحة العود، تحرّكت القوّة الملوكيّة والعزّيّة مع المحبّيّة والشّوقيّة واللّذّيّة.

وكلّ ما كان من رائحة الورد والنّرجس والخيرى، فإنّها محرّكة للعشق واللّذّة والشّوق، وهي أراييح مؤنّثة،

وكلّ ما كان من رائحة العود والآس والبنفسج والياسمين والمرزجوش، فإنّها محرّكة للسّرور والعزّ والجود، وهي مذكّرة،

والمسك والغالية والأراييح الخنثة مونّثة.

فإذا مزجت هذه الأراييح المذكّرة بالأراييح المؤنّثة، وازدوجت، حرّكت السّرور واللّذّة على حيث ما يقع الازدواج.

وإن كان التّركيب ملوكيّا، حرّك القوّة الملوكيّة،

وإن كان تركيبا جوديّا، حرّك الجود،

وعلى حسب تركيبها تكون حركة القوّة المركّب لها ذلك.

ومتى استعمل ترتيب الإيقاع في الأزمان الّتي حدّدناها - مع استعمال الألوان والأراييح على حسب ترتيب ما قدّمناه آنفا - ظهرت قوى النّفس وسرورها أضعاف ما يظهر عند استعمالها لهذه الأمور على خلاف التّرتيب الّذي وصفنا، واعتدلت أفعالها، وكان خروجها على ترتيب نظام اعتدال، ويكون سرورها كاملا في الفنّ الّذي يقصد بها إليه من أحد الأمور الّتي وصفناها.

الفصل الرّابع من المقالة الثّانية في نوادر الفلاسفة

وَإِذْ قَدْ أَتَيْنَا عَلَى مَا يَصِلُ إِلَى النَّفْسِ مِنَ المَشَاعِرِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ : الحَاسَّةُ السَّمْعِيَّةُ وَالبَصَرِيَّةُ وَالشَّمِّيَّةُ، فَلْنَأْتِ بِمَا يُشَارِكُ الحَاسَّةَ الذَّوْقِيَّةَ مِنَ الأَلْفَاظِ المَنْطِقِيَّةِ مَاهُوَ أَشْرَفُ مَوْرِدًا عَلَى النَّفْسِ، مِمَّا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا، إِذْ كَانَ المُوَصِّلُ ذَلِكَ إِلَى النَّفْسِ إِنَّمَا هِيَ آلَاتٌ حِسِّيَّةٌ وَشِيكَةُ الزَّوَالِ، وَالمُوَصَّلُ إِلَيْهَا هَذِهِ الأَلْفَاظَ المَنْطِقِيَّةَ - بَعْدَ انْتِقَادِ الفِكْرِ لَهَا - إِنَّمَا هُوَ العَقْلُ، وَالعَقْلُ أَشْرَفُ المَخْلُوقَاتِ.

وَإِذْ كَانَتِ الحَاسَّةُ الخَامِسَةُ - الَّتِي هِيَ اللَّمْسُ - تُشَارِكُ هَذِهِ الحَوَاسَّ الأَرْبَعَ فِي أَكْثَرِ حَالَاتِهَا، فَقَدِ اسْتَغْنَيْنَا عَنْ أَنْ نُفْرِدَهَا بِمَا تُوصِلُهُ إِلَى النَّفْسِ مِنَ السُّرُورِ وَاللَّذَّةِ، لِمُشَارَكَتِهَا الحَوَاسَّ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهَا، فَنَبْتَدِى بِمَا أَجْرَينَا إِلَيْهِ مِنْ نَوَادِرِ الفَلَاسِفَةِ فِي هَذَا الفَنِّ.

ذَكَرَ أَمُنْيُوسُ أَنَّهُ كَانَ لِلْفَلَاسِفَةِ اجْتِمَاعٌ فِي وَلِيمَةٍ لِهِرَقْلَ المَلِكَ عَنْ وَلَدِهِ، وَكَانَ قَدْ أَمَرَ المُوسِيقِي أَنْ يَقْعُدَ مَعَهُمْ، وَيَحْفِظَ مَا يَمُرُّ مِنْ نَوَادِرِهِمْ فِي المُوسِيقَى، فَقَالَ أَحَدُهُمْ : الغِنَاءُ فَضِيلَةٌ شَرِيفَةٌ تَعَذَّرَتْ عَلَى المَنْطِقِ فِي قُدْرَتِهِ، وَلَمْ يَقْوَ عَلَى إِخْرَاجِهَا، فَأَخْرَجَتْهَا النَّفْسُ لَحْنًا، فَلَمَّا ظَهَرَتْ سُرَّتْ بِهَا وَطَرِبَتْ إِلَيْهَا، فَاسْمَعُوا مِنَ النَّفْسِ وَنَاجُوهَا، وَرَاعُوا مُنَاجَاةَ الطَّبِيعَةِ وَالتَّأَمُّلَ لَهَا.

وَقَالَ آخَرُ : فَضْلُ المُوسِيقَى يَأْتَلِفُ مَعَ كُلِّ آلَةٍ، كَالرَّجُلِ الأَدِيبِ المُؤْتَلِفِ مَعَ كُلِّ بَشَرٍ.

وقال آخر : العدد متى كان من خارج يحرّك النّفس، ومتى كان من داخل حرّك الوتر.

وكان أحد الفلاسفة إذا جلس إلى المنادمة يقول للموسيقى : حرّك النّفس نحو قواها الشّريفة من الحلم والبرّ والشّجاعة والرّأفة والعدل والجود.

وخرج بعض الفلاسفة مع تلميذ له، فسمع صوت القيثارة، فقال للتّلميذ : امض بنا إلى هذا القيثاري لعلّه يفيدنا صورة شريفة، فلمّا قربنا منه سمعا صوتا رديئا وتأليف غير متّفق، فقال لتلميذه : زعم أهل الكهانة والزّجر أنّ صوت البومة يدلّ على موت إنسان، فإن كان ذلك حقّا فصوت هذا يدلّ على موت البومة.

وقال آخر : النّفس إذا خلت ترنّمت بألحان حزينة، وتذكّرت عالمها الشّريف، فإذا رأت ذلك الطّبيعة وعرفته منها، تعرّضت لها بجميع أشكالها، وعرضته عليها واحدا واحدا حتّى تردّها إليها، فتدع ما كانت فيه من أمر ذاتها، وتأخذ في ألحان الطّبيعة، فتؤلّف التّأليف الشّريف، وتزن الألحان المتقنة، وتمضي فيه مع الطّبيعة، ولا تزال كذلك حتّى ترى غائصة.

[واصل زكريّا يوسف النّص باستعمال رسالة إخوان الصّفا، ونحن لا نرى مبرّرا لذلك].

مراجع بيبليوغرافيّة