أنس غراب
إعداد النّسخة الرّقميّة

كتاب المصوّتات الوتريّة من ذات الوتر الواحد إلى ذات العشرة أوتار

يعقوب بن إسحاق الكندي

  • مكتبة بودليان - أكسفورد (بريطانيا العظمى) : Marsh 663226-238-203-204
    • بداية النصّ : اطال الله مدة اعوامك وجدد ايامك... فهمت ما سالت من رسم قول وجيز
    • آخر النصّ : ومن طبع البم الحلم والوقار والركانة

محتوى النصّ

  • المقالة الأولى : في ذكر الآلات الصّوتيّة وسائر أعداد الأوتار
  • المقالة الثّانية : [في تأليف اللّحون]
  • المقالة الثّالثة

المقالة الأولى : في ذكر الآلات الصّوتيّة وسائر أعداد الأوتار

[اعتمادا على تحقيق زكريّا يوسف]

أَطَالَ الَلّهُ مُدَّةَ أَعْوَامِكَ، وَجَدَّدَ أَيَّامَكَ، مَحْبُورًا فِي ظِلِّهَا وَمَسْرُورًا فِي كُنِّهَا.

فَهِمْتُ مَا سَأَلْتَ - أَيَّدَكَ الَلُّه - مِنْ رَسْمِ قَوْلٍ وَجِيزٍ فِي إِيضَاحِ العِلَّةِ فِي المُصَوِّتَاتِ المُطْرِبَةِ، وَكَمِّيَّةِ أَوْتَارِهَا الَّتِي تُشَدُّ عَلَيْهَا، وَكَيْفِيَّةِ تَرْتِيبِهَا، وَأَصْنَافِ الإِيقَاعَاتِ، وَأَزْمَانِ النَّقَرَاتِ، وَمَا يَلْزَمُ المُوسِيقَارِي فِي اسْتِعْمَالِهِ إِيَّاهَا.

وَإِذَا كَانَ عَامَّةُ أَهْلِ دَهْرِنَا مِنْ مُسْتَعْمِلِي هَذِهِ الصِّنَاعَةِ المُوسِيقِيَّةِ الأَغْلَبُ عَلَيْهِمْ لُزُومُ عَادَةٍ قَصْدَ إِصَابَةِ مُوَافَقَةِ مَنْ يَحْضُرُهُمْ لِتَصْوِيبِهَا، عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِالسَّبَبِ وَالعِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا صُنِعَتْ تِلْكَ المُصَوِّتَةُ بِتِلْكَ الصُّورَةِ، وَكَيْفَ وَقَعَتْ تِلْكَ الكَمِّيَّةُ مِنْ عَدَدِ الأَوْتَارِ، وَتَرْتِيبِ التَّأْلِيفِ، وَمَا يُوَلِّدُهُ كُلُّ وَتَرٍ مِنْهَا فِي النَّفْسِ، بِالحَاسَّةِ السَّمْعِيَّةِ، مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالجُبْنِ، وَالسُّرُورِ وَالحُزْنِ، وَيُؤَثِّرُهُ فِي الكِيمُوسَاتِ * الكيموسات : مفردها الكيموس، وهو الخلط أو الحالة الّتي يكون عليها الطّعام بعد فعل المعدة فيه. مِنَ التَّلَطُّفِ وَالتَّنْظِيفِ، وَمَا الَّذِي كَانَ غَرَضُ الفَلَاسِفَةِ فِي أَنْ صَنَعُوهَا بِأَصْنَاعَ مُخْتَلِفَةٍ، فَصَارَتْ عَلَى أَلْوَانَ شَتَّى، وَمَذْهَبُهُمْ فِي أَنْ جَعَلُو[هَا] بِتِلْكَ المَقَادِيرِ مِنَ الرِّقَّةِ وَالغِلَظِ وَرَبْطِ الدَّسَاتِينِ، وَأَيْنَ يُوضَعُ كُلُّ وَاحِدِ مِنْهَا الأَخَصّ بِهِ.

رَأَيْتُ إِجَابَتَكَ إِلَى ذَلِكَ، فَأُوجِزُ مَا يَتَهَيَّأُ فِيهِ القَوْلُ مَعَ إِصَابَةِ المَعَانِي، وَتَقْرِيبِهِ مِنْ مُرَادِكَ، لِيَسْهُلَ لَكَ بِذَلِكَ الفَهْمُ.

وَإِذَا كَانَ غَرَضُنَا فِي هَذَا الجُزْءِ مِنَ العِلْمِ الاخْتِصَارُ لِعِلَلِ الإِيقَاعَاتِ فَالأَوْجَبُ عَلَيْنَا ذِكْرُ عَنَاصِرِهَا الَّتِي هِيَ الجِنْسُ لِسَائِرِهَا، وَمَا يَسْتَعْمِلُهُ أَهْلُ دَهْرِنَا، وَنَلْقَى مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا كَانَتِ الأَوَائِلُ فِي الزَّمَنِ القَدِيمِ تُوَلِّدُهُ، وَأَجْعَلُ كِتَابِي هَذَا خَمْسَةَ فُصُولٍ، كَعَدَدِ العَنَاصِرِ الخَمْسَةِ الَّتِي هِيَ الطَّبِيعَةُ الكُلِّيَّةُ، وَأَصَابِعُ اليَدِ الخَمْسَةِ، وَالكَوَاكِبِ الخَمْسَةِ، وَدَوَائِرِ العَرُوضِ الخَمْسِ، وَالأَصْوَاتِ المَنْطِقِيَّةِ الخَمْسَةِ، فَأَقُولُ :

إِنَّ عَادَةَ الفَلَاسِفَةِ كَانَتْ الارْتِيَاضُ بِالعِلْمِ الأَوْسَطِ، بَيْنَ عِلْمٍ تَحْتَهُ وَعِلْمٍ فَوْقَهُ. فَأَمَّا الَّذِي تَحْتَهُ فَعِلْمُ الطَّبِيعَةِ وَمَا يَنْطَبِعُ عَنْهَا، وَأَمَّا الَّذِي فَوْقَهُ فَيُسَمَّى عِلْمَ مَا لَيْسَ مِنَ الطَّبِيعَةِ، وَتَرَى أَثَرَهُ فِي الطَّبِيعَةِ. وَالعِلْمُ الأَوْسَطُ، الَّذِي يَتَسَبَّلُ إِلَى عِلْمِ مَا فَوْقَهُ وَمَا تَحْتَهُ يَنْقَسِمُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ وَهْيَ :

  • عِلْمُ العَدَدِ وَالمَعْدُودَاتِ وَهْوَ الأَرِتْمَاطِيقِي
  • عِلْمُ التَّأْلِيفِ وَهْوَ المُوسِيقَى
  • عِلْمُ الجَاومِطْرِيَّةِ وَهْوَ الهَنْدَسَة
  • عِلْمُ الأَسْطرنُومِيَّة وَهْوَ التَّنْجِيم

وَكَانُوا يَرَوْنَ صِيَانَتَهُ فِي كَلَامِهِمْ، وَإِظْهَارَهُ لِلْحَوَاسِّ، لِتَشْهَدَ عُقُولَ ذَوِي الفِطْنِ لَهُمْ بِصِدْقِ أَقَاوِيلِهِمْ.

فَأَمَّا الَّذِينَ جَهَلُوا فَضْلَ العِلْمِ عَلَى العَمَلِ فَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَتَعَلَّمُوا أَنَّ العِلْمَ بِكُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ فِعْلِهِ، وَأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى إِظْهَارِ شَيْءٍ عَلَى صَوَابٍ حَتَّى يَثْبُتَ فِي الفِكْرِ مَعْلُومًا، وَفِي الطَّبْعِ مَفْهُومًا، وَفِي النَّفْسِ مَعْقُولًا، ثُمَّ يَظْهَرُ مَعْقُولًا مَحْسُوسًا مُجَسَّمًا مَلْمُوسًا.

وَقَدْ نَجِدُ مَنْ عَمِلَ شَيْئًا عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَلَا رُؤْيَّةٍ وَكَانَ كَذَلِكَ فِي الطَّبِيعَةِ مَوْجُودًا وَلَمْ يَعْلَمْ أَصَوَابٌ هُوَ أَمْ خَطَأٌ فَإِنْ وَقَعَ لَهُ فِيهَا عَمَلُ الصَّوَابِ لَمْ يَعْلَمِ العِلَّةَ فِيهِ وَإِنْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يَأْتِي عَلَيْهِ بِحُجَّةٍ يُعَبِّرُهَا عَنْ نَفْسِهِ، فَلَيْسَ إِذًا يُحْمَدُ مَنْ كَانَ هَذَا مَنْزِلَتُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ فَيَعْلَمَ العِلَّةَ فِيمَا صَنَعَ.

وَكَانَتْ عَادَةُ الفَلَاسِفَةِ إِظْهَارُ أَسْرَارِ عِلْمِ الطَّبِيعَةِ وَآثَارِهَا فِي كَثِيرِ مِنْ مَوضُوعَاتِهِمْ فِي الكُتُبِ، مِنْ ذَلِكَ مَا سَمَّوْهُ فِي الأَرِتْمَاطِيقِي وَالأَعْدَادِ المُتَحَابَّةِ وَالمُتَبَاغِضَةِ، وَفِي الخُطُوطِ المُتَنَاسِبَةِ، وَفِي المُجَسَّمَاتِ الخَمْسَةِ الوَاقِعَةِ فِي الكُرَةِ. فَلَمَّا أَبَانُوا أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مَحْسُوسًا إِلَّا وَعُنْصُرُهُ مُتَكَوِّنٌ مِنَ#Zak : عن
الأَرْكَانِ الأَرْبَعَةِ وَالطَّبِيعَةِ الخَامِسَةِ، أَعْنِي النَّارَ وَالهَوَاءَ وَالمَاءَ وَالأَرْضَ وَالفَلَكَ، بَعَثَتْهُمِ الفِطْنَةُ وَدَلَّهُمِ الذَّكَاءُ وَأَطْلَعَهُمِ الفِكْرُ عَلَى إِيدَاعِ آلَاتٍ صَوْتِيَّةٍ وَتَرِيَّةٍ، تُوسِطُ بَيْنَ النَّفْسِ وَبَيْنَ تَأْلِيفِ العَنَاصِرِ وَالطَّبِيعَةِ الخَامِسَةِ بِاتِّخَاذِ الآلَاتِ، وَصَنَعُوا آلَاتٍ وَتَرِيَّةٍ كَثِيرَةٍ تُنَاسِبُ تَأْلِيفَ الأَجْسَادِ الحَيَوَانِيَّةِ، وَيَظْهَرُ مِنْهَا أَصْوَاتٌ مُشَاكِلَةٌ لِلتَّرْكِيبِ الإِنْسِيِّ لِيُظْهَرُوا بِذَلِكَ لِلْعُقُولِ الذَّكِيَّةِ مِقْدَارَ شَرَفِ الحِكْمَةِ وَفَضْلِهَا.

فَكَانَ مِنْ آلَاتِهِمْ مَا إِذَا سَمِعَهُ جِنْسٌ مِنَ الحَيَوَانِ أَتَى مُنْقَادًا لِلصَّوْتِ وَطَرِبًا لَهُ. وَنَجِدُ كُلَّ جِنْسٍ مِنَ الحَيَوَانِ لَهُ آلَةٌ سَمْعِيَّةٌ تُحَرِّكُهُ كَالَّذِي نَجِدُهُ فِي الدَّلْفِينِ وَالتِّمْسَاحِ إِذَا سَمِعَتِ الزَّمْرَ وَصَوْتَ بُوقٍ أَنَّهَا تَطْرَبُ وَتَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ وَتَطْفُو إِلَى المَرْكَبِ، وَكَذَلِكَ الزَّنْبُورُ الَّذِي يُسَمَّى النَّحْلَ، وَكَثِيرٌ مِنْ عِتَاقِ الخَيْلِ وَالطَّوَاوِيسِ وَالهَزَاردِسْتَانِ وَالغِزْلَانِ.

وَلَيْسَ كُلُّهَا تَطْرُبُ لِصَوْتِ آلَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ كُلُّ جِنْسٍ يَأْلَفُ غَيْرَ الآخَرِ، فَإِنَّ الفَارِسِيَّ لَا يَطْرَبُ بِالأُرْغِينَ وَالنَّاقُوسِ، وَالهِنْدِيُّ وَالرُّومِيُّ لَا يَطْرَبُ بِالطُّنْبُورِ الخُرَاسَانِي.

وَنَجِدُ السَّمَكَ إِذَا نُقِرَ لَهُ بِتِلْكَ الضَّرْبَةِ اجْتَمَعَ إِلَى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَالرَّاعِي يَجْمَعُ الغَنَمَ بِالصَّفِيرِ فَيَؤْخُذُ بِاليَدِ مِنْ غَيْرِ مُعَانَاةٍ وَلَا امْتِنَاعٍ مِنْهُ، وَنَجِدُ ذِلِكَ حَسَنًا فِي الطَّوَاوِيسِ إِذَا سَمِعَتِ الأَوْتَارَ، وَنشرها أذنابها وجلائها أنفسها. * حول تأثير الأصوات على الحيوان، هناك بعض الشّبه مع ما نجده عند الجاحظ في كتاب الحيوان (تحقيق محمّد هارون، الجزء 4، 193). أنظر أيضا كتاب الحيوان عند أرسطو [سيتمّ تحديد ذلك لاحقا].

وَمِنْهَا مَا إِذَا سَمِعَهُ إِنْسَانٌ انْحَلَّتْ نَفْسُهُ فَيَمُوتُ وَمِنْهَا مَا يُسْبِتُ وَمِنْهَا مَا كَانَ يُشَجِّعُ لِلِقَاءِ الأَعْدَاءِ فِي#Zak : و
الحُرُوبِ، وِمِنْهَا مَا كَانَ يَسُرُّ وَيُطْرِبُ وَيُقَوِّي النَّفْسَ كَالطَّيْرِ الُمسَمَّى السَّمَّانِي وَالنَّحْلِ وَالطَّاوُوسِ وَكَثِيرٍ مِنَ الحَيَوَانِ السَّاكِنِ فِي المَاءِ.

فَأَمَّا مَا يَسْتَعْمِلُهُ كُلُّ قَوْمٍ فِي بَلَدَهِمْ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ مِنْهُمْ بِالعِلَّةِ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى وَيُوصَفَ، عَلَى أَنَّهَا وَإِنْ تَبَايَنَتْ فِي الصُّوَرِ وَعَدَدِ الأَوْتَارِ لَمْ تَخْرُجْ عَنِ التَّأْلِيفِ عَلَى حَسَبِ تَغْيِيرِ بَلَدِهِمْ كَمَا غَيَّرَ البَلَدُ صُوَرَهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ وَلُغَاتَهُمْ، فَالمُوسِيقَارِيُّ البَاهِرُ يَعْرِفُ مَا يُشَاكِلُ كُلَّ مَنْ يَلْتَمِسُ إِطْرَابَهُ مِنْ صُنُوفِ الإِيقَاعِ وَالنَّغَمِ وَالشِّعْرِ مِثْلَ حَاجَةِ الطَّبِيبِ الفَيْلَسُوفِ إِلَى أَنْ يَعْرِفُ أَحْوَالَ مَنْ يَلْتَمِسُ عِلَاجَهُ أَوْ حِفْظَ صِحَّتِهِ.

وَلِأَهْلِ كُلِّ نَاحِيَةٍ مَعَ اخْتِلَافِ صُوَرِ الآلَةِ المُصَوِّتَةِ [فِي] كَمِّيَّةِ الأَوْتَارِ مَذَاهِبٌ وَآرَاءٌ فِي نِسْبَةِ عَدَدِ أَوْتَارِ تِلْكَ المُطْرِبَةِ لَهُمْ. وَمُشَاكَلَةُ الأَعْدَادِ شَرِيفَةٌ طَبِيعِيَّةٌ.

وَوَجَدُوا [فِي] النَّبَاتِ حَرَكَةَ العَنَاصِرِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ مِنْ نُقْطَتِهِ فَيَمُرٌّ كَالوَتَرِ، نِصْفُهُ إِلَى المَرْكَزِ وَنِصْفُهُ مِنَ المَرْكَزِ، وَمَوْضِعُ نُقْطَتِهِ كَمَوْضِعِ الدَّسْتَانِ المَفْرُوضِ لِهَذَا الوَتَرِ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي جُثَّةِ الحَيَوَانِ، فَإِنَّ مَوْضِعَ النُّقْطَةِ الَّتِي مِنْهَا نَشُوؤُهُ هِيَ السُّرَّةُ فِي وَسَطِ جُثَّتِهِ وَهْيَ مَكَانُ هَذَا الدَّسْتَانِ مِنْ هَذَا الوَتَرِ الحَاضِرِ للصَّوْتِ المَسْمُوعِ مِنْهُ.

[1] وَإِنَّا نَجِدُ أَهْلَ الهِنْدِ مُسْتَعْمِلِينَ لِآلَةٍ عِنْدَهُمْ تُسَمَّى « كنكنة »، عَلَيْهَا وَتَرٌ وَاحِدٌ رَسَمَتْهَا العَامَّةٌ، وَعَنْهَا تَتَوَلَّدٌ كُلُّ نُقْطَةٍ وَيُسْتَخْرَجُ كُلُّ إِيقَاعٍ يُوجَدُ فِي سَائِرِ المَضْمُونَاتِ وَالمَاهِيَّةِ، وَهْيَ أَقْدَمُ فِي الطَّبْعِ، كَمَا أَنَّ الوَاحِدَ أَقْدَمُ فِي العَدَدِ، وَالخَطُّ أَقْدَمُ مِنَ السَّطْحِ، وَإِنَّهُمْ يَزْعَمُونَ أَنَّ النَّفْسَ هِيَ القَابِلَةُ لِلسُّرُورِ، وَهْيَ الَّتِي بِهَا يَظْهَرُ الطَّرَبُ وَتَقْوَى بِهِ، فَلَيْسَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ لَهُ أَشَدَّ قَبُولًا مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُشَاكِلُهَا وَهْوَ وَاحِدٌ، وَأَيْضًا فَلَيْسَ يَصِلُ ذَلِكُ إِلَيهَا بِحَاسَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهْيَ السَّمْعُ، وَوَجَدُوا أَنَّ عِلَّةَ العَالَمِ هُوَ عِلَّةُ المَعْدُودَاتِ، فَشَدُّوا وَتَرًا وَاحِدًا وَدَسْتَانًا وَاحِدًا.

[2] وَأَمَّا أَهْلُ بَلَدِ خُرَاسَانَ وَنَوَاحِيهَا فَإِنَّهُمْ لَمَّا وَجَدُوا أَنَّ العَالَمَ وَمَا فِيهِ لَا يَنْفَكُّ مِنِ اثْنَينِ : لَيْلٌ وَنَهَارٌ، وَشَمْسٌ وَقَمَرٌ، وَجَوْهَرٌ وَعَرْضٌ، وَحَرَكَةٌ وَسُكُونٌ، وَفَرَحٌ وَحُزْنٌ، وَوَجَدُوا الأَشْخَاصَ السَّمَاوِيَّةَ سَعْدَيْنِ وَنَحْسَيْنِ، وَوَجَدُوا نُطْقَ العَالَمِ إِنَّمَا ابْتِدَاؤُهُ مِنْ حَرْفَيْنِ مُتَحَرِّكٌ وَسَاكِنٌ - لِأَنَّ اللِّسَانَ لَا يَنْطِقُ بِأَقَلَّ مِنْهُمَا وَلَا بِسَاكِنٍ مُفْرَدٍ -، وَوَجَدُوا أَنَّ الجُودَ إِنَّمَا هُوَ الاغْتِذَاءُ وَالنُّمُوُّ، وَوَجَدُوا النَّبَاتَ لَا يَنْفَكُّ أَنْ يَكُونَ شَجَرَةً أَوْ غُصْنَةً، وَوَجَدُوا كَثِيرًا مِنَ النَّبَاتِ لَا يَخْرُجُ مِنْ زَهْرَتَيْنِ ذَاتَ وَرَقَتَيْنِ، وَوَجَدُوا أَنَّ وُجُودَ الأَشْيَاءِ عِنْدَهُمْ عَلَى ضَرْبَيْنِ : إِمَّا جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى غَيْرِهِ وَهْوَ جَوْهَرٌ، وَإِمَّا مَوْجُودٌ بِغَيْرِهِ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَهْوَ عَرْضٌ، وَأَنَّ الجَوْهَرَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ : إِمَّا عَامٌّ كَالبَيَاضِ كُلُّهُ وَإِمَّا خَاصٌّ كَبَيَاضِ البِلَّوْرِ، وَوَجَدُوا أَنَّ العَقْلَ لَا يَصُحُّ عِنْدَهُ إِلَّا أَمْرَانِ : العِلَّةُ الأُولَى وَهْوَ البَارِي، وَالمَعْلُولُ وَهْوَ هَذَا العَالِمُ.

وَلَيْسَ يَخْلُو شَيْءٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَامِلًا أَوْ مَحْمُولًا، فَصَنَعُوا آلَةً وَعَلَّقُوا عَلَيْهَا وَتَرَيْنِ، وَشَدُّوا سَبْعَةَ دَسَاتِينَ أَوْ أَكْثَرَ لِتَنْتَقِلَ عَلَيْهَا أَصَابِعُ اليَدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى السَّبْعَةِ شَيْئًا لِتَشَاكُلِ عَدَدِ الأَيَّامِ السَّبْعَةِ وَالكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ.

[3] وَأَمَّا الرُّومُ [فَقَدْ] صَنَعُوا آلَةً وَشَدُّوا عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ أَوْتَارٍ، لِأَنَّهُمْ وَجَدُوا النَّامِي يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : إِنْسَانٌ ذِي نُطْقٍ، وَحَيَوَانٌ لَا نُطْقَ لَهُ وَنَبَاتٌ. وَوَجَدُوا هَذَا النَّامِي يَنْقَسِمُ أَيْضًا إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامَ : يَتَوَالَدُ كَالإِنْسَانِ، وَبَيَّاضٌ كَالطَّيْرِ، وَيُولَدُ كَالبَهَائِمِ. وَكَذَلِكَ النَّبَاتُ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ : مِنْهُ غَرْسٌ، وَمِنْهُ زَرْعٌ، وَمِنْهُ لَا غَرْسٌ وَلَا زَرْعٌ، وَوَجَدُوا مَعَارِفَ الأَلْفَاظِ ثَلَاثَةً : رَفْعٌ وَنَصْبٌ وَخَفْضٌ. وَكَذَلِكَ تَرْتِيبُ الأَلْفَاظِ ثَلَاثَةٌ : دَقِيقٌ، وَغَلِيظٌ، وَمُعْتَدِلٌ؛ فَالدَّقِيقُ رَفْعٌ، وَالغَلِيظُ خَفْضٌ، وَالمُعْتَدِلُ نَصْبٌ.

ثُمَّ وَجَدُوا الأَشْيَاءَ لَا تَنْفَكُّ مِنْ ثَلَاثِ حَالَاتٍ : ابْتِدَاءٌ، وَانْتِهَاءٌ، وَانْحِطَاطٌ، وَوَجَدُوا أَشْرَفَ الأَعْدَادِ ثَلَاثَةً الَّتِي هِيَ أَوَّلُ العَدَدِ الفَرْدِ.

وَوَجَدُوا الحُقُوقَ ثَلَاثَةً : أَحَدُهَا أَنَّ الحَقَّ مِثَالٌ مُجْهِرٌ بِأَنَّ الشَّيْءَ مَوْجُودٌ كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ، أَوِ الشَّيْءُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ كَمَا لَيْسَ هُوَ مَوْجُودًا، وَالثَّانِي أَنَّ الحَقَّ مَقَالٌ يُخْبِرُنَا لِلشَّيْءِ وَمَا لَيْسَ لِلشَّيْءِ سَلْبًا، والثّالث أنّ الحقّ مقال غير موجب ما ينبغي أن يوجب وسالبه ما ينبغي أن يسلب.

ووجدوا أنّ فاعل العالم لا يخلو من ثلاثة أوجه : إمّا أن يكون مثله من جهة وخلافه من جهة، ووجدوا أنّه لا يخلو جوهر العالم وعرضه من ثلاثة أوجه : إمّا أن يكون كلّ واحد منها قائما بنفسه غير محتاج إلى غيره ـ وذلك باطل ـ، وإمّا أن يكون العرض هو القائم بالجوهريّة، والجوهر قائم بنفسه - وذلك هو الحقّ -، [والوجه الثّالث... ؟]

ووجدوا ما في العالم لا يخرج من ثلاثة أشياء : إمّا جوهر، وإمّا نبات، وإمّا حيوان، ووجدوا أنّ الكلام في النّحو لا يخلو من اسم وفعل وحرف، ووجدوا الحركات الطّبيعيّة ثلاثا : حركتين في العناصر على استقامة، وحركة في الفعل على استدارة.

فلمّا وجدوا الثّلاثة عددا كثير المشاكلة، شدّوا ثلاثة أوتار وثلاثة دساتين.

[4] أمّا الرّوم فشدّوا أربعة أوتار، وهي الآلة العوديّة، الّتي هي أكثر استعمالا عند العامّ والخاصّ وأجمع معنى، فإنّها في قول بعضهم من صنعة اليونانيّين، وقد يدعيها البابليون، أمّا الفرس فإنّهم يزعمون أنّه نشأ في مملكة انو شروان صبيّ يقال له « فلهوذ » ولم يسبقه إلى مثل طريقته ولا لحقه في طبقته أحد، وأنّه اخترع أشياء كثيرة مطربة غير العود.

فأمّا الرّوم فإنّ غرضهم فيها مع الإطراب إظهار شكل العالم بعضه لبعض، فإنّهم وجدوا العناصر الفاعلة لكون الحيوان ونشوء النّامي، والمنفعلة لتجديد ما عتق وتبديل ما خلق أربعة : أعني النّار والأرض اليابسين، والهواء والماء الرطبين، ووجدوا أنّها الواسطة بيننا وبين الطّبيعة الخامسة، أعني الفلك.

ووجدوا الحواسّ المحدودة المراكز في الجسد أربعا : سمعيّة للنّغم والنّقرات والشّعر، وبصرّيّة للألوان الدّالّة على عنصر اللّون المصبوغ به الوتر وإلى أيّ الأركان أضيف، وذوقيّة وهي الفم الموضوع لمعادن العروف كالدّواة والقلم والمداد، وشمّيّة لقبول تأليف الأراييح الطّيّبة العطريّة، والذّهن منها المشاكلة في التّأليف للأوتار.

أمّا اللّمسيّة فليس لها موضع تخصّ به، ولا إضافة إلى وتر غير ما وجدنا كمّيّة الوتر مساو أو غير مساو، وكيفيّته في اللّين والمدّ، وهذه الحاسّة تنبعث من الدّماغ في جميع الجسد، فتوجد بالمجسّات.

وقالوا : وجد الكلام الصّحيح أربعة أقسام، أوّلها الثّنائي : كالسّبب على حرفين، والثّاني الثّلاثي، كالوتد على ثلاثة أحرف، والثّالث الرّباعي، على أربعة أحرف، والرّابع الخماسي، على خمسة أحرف، وليس يوجد في كلام العرب أكثر من أربع حركات وحرف ساكن وهو مثل « فَرَسُهُ ».

ووجدوا أنّ الكلام كلّه لا ينفكّ من أربع دعائم : إمّا أن يكون خبر يخبر فيه عن الشّيء، أو أمر شيء، أو سؤال، أو استخبار.

والفضائل الإنسانيّة أربع : الحكمة، والعفّة، والنّجدة، والعدل.

ووجدوا عناصر الإيقاعات أربعة : ثقيل وخفيف ورمل وهزج.

ووجدوا نبض الشّريانات المنقادة لترتيب الإيقاع أربعة - منها يستدلّ على قوّة النّفس وصحّتها - : اثنان منها في السّاعدين واثنان في السّاقين.

ووجدوا اعتماد عامّة الحيوان على أربعة - وقد حكي أنّ صنفا من الهند لا يقوم قياما.

ووجدوا أنوار العالم الّتي تضيء للخليقة أربعة : النّيران، وباقي الكواكب، والنّار.

ووجدوا أنّه ليس يقع على الأوتار من أصابع اليد إلّا أربعة، ووجدوا الأسابيع أمام نور القمر أربعة، ووجدوا الأعداد آحادا وعشرات ومايين وألوف، ووجدوا العشرة، التي هي العدد الكلّي، يتمّ بأربعة أعداد : بالواحد، والاثنين، والثّلاثة، والأربعة؛ ووجدوا ألوان العين أربعة : أكحل وأزرق وأشهل وأشعل؛ وألوان الشّعر أربعة : أسود وأشيب وأحمر وأشقر.

ووجدوا المطالب العلميّة أربعة : « هل ؟ » وهو يبحث عن وجود الشّيء هل هو ايس ؟ أم هو ليس ؟ وإنّما يطلب العلم ماهو ايس، وماهو ذلك الشّيء في طبيعته وذاته، جوهر هو أم عرض، ثم يعلم من ذلك، وكيف هو، بمعنى أيّ الأشياء هو، وإنّما يطلب علم ذلك لنفصله عن غيره، ولم هو، وهي باحثة عن علّة الشّيء، لم هكذا هو، ولم هكذا كان.

ووجدا الكيفيّات المؤثّرة فينا أربعا : الحرارة المفرّقة بين الأشياء ومخالفاتها، والمفرّقة بين الأشياء وذواتّها، والبرودة الضّامّة بين الأشياء من ذوات أنفسها عسيرا، ومن ذوات غيرها يسيرا، والرّطوبة الحاصرة للأشياء من ذواتّ أنفسها عسيرا، ومن ذوات غيرها يسيرا؛ والأعضاء الرّئيسيّة أربعة : الدّماغ والقلب والكبد والأنثيّين.

فلمّا كثر عليهم تشاكل الأربعة وتناسبها، ركّبوا على العود أربعة أوتار بعشر طاقات، لتوجد منها الأعداد العشرة التي هي التقت في الثّاني، فجعل في الزّير طاقة، وفي المثنى طاقتان، وفي المثلث ثلاث طاقات، وفي البمّ أربع طاقات، فتمّت مشاكلتان في عشر طاقات وأربعة أوتار، ثمّ صبغوها بألوان النّقوش السّحابيّة الّتي ترى قبالة الشّمس، فإنّها ترينا ألوان العناصر الأربعة. فإن رأيت قوسا ذا أربعة ألوان كان بطانتها خمريّا ثمّ فوقه خضرة فرقسه، ثمّ فوق الخضرة صفرة، حمرة في ظاهر القوس. فصبغوا كلّ وتر ليدلّ على نسبته إلى إحدى الطّبائع الّتي عليها بنية الجسد من المرثى والّتي هي كالجنس للبدن وهي أربعة : الصّفراء والسّوداء والبلغم والدّم.

ولمّا أرتنا الطّبيعة تلك الألوان دالّة على العناصر، احتالت الفلاسفة لإظهار آثار الطّبيعة بآلة ترينا إيّاها وتوجدها لنا حسّا. فالزّير يشبّه بالصّفراء والمثنى بالحمرة والدّم، والمثلث ببياض البلغم، والبمّ بسواد السّوداء.

[5] وأمّا الذّين ذهبوا إلى الرّأي في شدّهم وترا خامسا تحت الزّير، وسمّوه الحادّ فإنّهم وجدوا عدد الخمسة من الطّبيعة الأولى والعناصر الخمسة، ووجدوا أنّ الخمسة إذا ضوعفت كان منها العشرة، ووجدوا ازدواج العشرة في خمسة أعداد، وانفرادها في خمسة، ووجدوا الحواسّ خمسا نحسّ بها الظّاهرات، وحواسّ أخرى باطنات عقليّة عددها خمس وهي الفكر والذّكر والذّهن والتّمييز [والادراك] نحسّ بها الباطنات؛ ووجدوا أنّ الكواكب خمسة والأصابع خمسة.

وقد تظهر الطّبيعة لعلّة موضع الوتر الخامس اصبعا لعلّة التّشاكل وإن لم ينفرد الخمس بمركز مفرد لأنّه لمّا كانت الخنصر للزّير كانت الزّيادة للحادّ المنسوب إلى الفلك الّذي هو أسرع من النّار حركة، ولذلك لا تكون تلك الزّيادة ساكنة لمشاكلتها عنصرها وإنّما كان قصدهم فيه زيادة صوت خامس.

ووجدوا أنّ دوائر العروض العامّة لجميع الشّعر خمس، ووجدوا الأسماء المقولة خمسة الّتي هي : الجنس والنّوع والفصل والخاصّيّة والعرض.

ووجدوا أنّ الفاصلة الكبرى لا تكون أكثر من خمسة أحرف : أربعة متحرّكة وحرف ساكن؛

ووجدوا أنّ المبادئ خمسة وهي : الحركة والزّمان والمكان والهيولي والصّورة، وأنّ [أسباب] تغيّر الهواء الّذي هو سبب الكون والفساد خمسة وهي أزمنة أرباع السّنة، والثّاني طلوع الكواكب وسقوطها، والثّالث هبوب الرّياح، والرّابع، البلدان، والخامس، البخارات الصّاعدة؛

ووجدوا حالات الجسد خمسا : خصبا ونحافة وملزرا وسحيقا ومعتدلا؛

ووجدوا الكلام ملّه لا يخلو في معناه من خمسة أشياء : إمّا أن يكون صدقا كلّه، أو كذبا كلّه، أو يكون الصّدق فيه أكثر من الكذب، أو يكون الكذب فيه أكثر من الصّدق، أو يكون الكذب والصّدق فيه متساويين؛

ووجدوا عامّة الثّبات خمسة أضلاع أو مجسّما ذا خمس قواعد ووجدوا أنّه ليس في كلام العرب بناء في الأسماء والأفعال أكثر من خمسة أحرف؛

فلمّا كثرت عطايا الخمسة المشاكلة لأعداد الطّبيعة التي هي النّار والهواء والأرض والماء والفلك وأنّها متى ضوعفت كان منها العدد العشرة التي هي نبض الشّريان المنقاد للنّقرات والطّنين، شدّوا وترا خامسا وسمّوه الحادّ.

[7-6] أمّا السّتّة والسّبعة فكثيرة التّناسب، ولم أذكرها لأنّ من يستعمل هذين العددين في هذه الآلات من الأوتار قليل.

[8] وأمّا الثّمانية فإنه الّذي كان يستعملها داود النّبيّ لتمجيد الباري جل وعزّ والعلّة في اختياره الثّمانية أنّه وجد أجناس الإيقاعات وأمّهاتها ثمانية، والأجزاء السّليمة في حشو البيت من الشّعر ثمانية، والمذاقات ثمانية، والأراييح ثمانية، والمجسّات ثمانية، والأمزجة ثمانية، والمؤثّرات العلويّة ثمانية : الشّمس والقمر والكواكب الخمسة والجوزاء، وأصناف الجواهر الّتي تدخل النّار وهي الأفلاز ثمانية، والحروف التي بها يوصل الكلام ثمانية [وهي] ب ح د ر س ص ط ع فتلك الأجناس وهي ثمانية.

ووجدوا المزاجات ثمانية وهي : الحارّ الرّطب، والحارّ اليابس، والبارد الرّطب، والبارد اليابس، والحارّ، والبارد، والرّطب، واليابس. والجواهر النّاريّة ثمانية : الذّهب والفضّة والنّحاس والرّصاص والصّفر والزّنك والحديد والزّئبق، والتّرابيّة ثمانية : الزّرنيخين والكبريتين والملحين والبورقين وكذلك اللّؤلؤ [و]الزّجاج والزّبرجد والبلّور والجزع والعقيق والياقوت والبيجاذ، والمذاقات [ثمانية] : حلو وحامض ومرّ ومالح وبشع وعفص وتفه - وهو ما لاطعم له كبياض البيض - والألوان [ثمانية] : بياض وسواد وحمرة وخضرة وصفرة وغبرة وقرمز واسماونجي.

وأمّا الأجزاء السّليمة في حشو البيت من الشّعر - الّتي هي ثمانية - : فعولن، فاعلن، مفاعيلن، فاعلاتن، مفاعلتن، متفاعلن، مفعولاتن، مستفعلن.

وَإِيقَاعَاتُ النَّقْرِ ثَمَانِيَةٌ - وَهْيَ الَّتِي تُلَقَّبُ بِالغِنَاءِ - : ثقيل أوّل، وثقيل ثاني، وماخوري، وخفيف ثقيل، ورمل، وخفيف رمل، وخفيف خفيف، وهزج.

وبعد هذه الأجناس صنع داود آلة ذات ثمانية أوتار، في حكاية المزمور الذي يقول فيه بالعبرانيّة.

وهذه الأجناس الثّمانية حركات وسكون في بيت الشّعر الملحّن وهي : الأسباب، والفواصل، والأوتاد، والغايات.

والسّبب نقرة وإمساك وهو حرفان متحرّك وساكن مثل : هَلْ، بَلْ، قُمْ، ويلزمه من الحشو في الشّعر فُعْ، فالدّائرة علامة للمتحرّك، والخطّ علامة للسّاكن، والفاء والعين حشوة في هذا الجزء، وهذا السّبب خفيف. والسّبب الثّاني يلقّب بالثّقيل مثل~: لَمَ، نَمَ، سَمَ.

والوتد وتدان : الأوّل نقرتان وإمساك، وهو حرفان متحرّكان فساكن مثل، عِنَبْ، طَرَبْ، ويلزمه من الحشو فَعِلْ، وهذا الوتد مجموع. والثّاني نقرة وسكون ثمّ نقرة وهو حرف ساكن بين متحرّكين مثل~: طَابَ، غَاب وهو فَاعَ، وهذا الوتد مفروق.

والفاصلة ثلاثة أحرف متحرّكة وحرف ساكن مثل~: عَنَبَه. والغاية أربعة أحرف متحرّكة ]فساكن[، وهي أربع نقرات وإمساك مثل~: حَبَسَهُمْ ونحوها، وليس أكثر من هذه الحركات في أشعار العرب.

فالكلمة التي تبتدئ بالسّبب ثمّ بعد ذلك بالوتد -~مثل فَاعِلُنْ~- خماسيّة : نقرة وإمساك ونقرتان وإمساك، وفَعُولُنْ خماسيّة أيضا وهي وتد وسبب~: نقرتان وإمساك ونقرة وإمساك، ثمّ مَفَاعِيلُنْ وتد وسببين : نقرتان وإمساك ونقرة وإمساك ]مكرّرة[.، ثمّ فَاعِلَاتُنْ سببين ووتد، ثمّ مُفَاعَلَتُنْ وتد وفاصلة.

فالنّغمة هي الحرف من نوع الشّعر كما كانت من عدد المتحرّكات خماسيّة أو سباعيّة، وعلى حسب ماهي عليه من البنية -~أعني من الأسباب والأوتاد والفواصل والغايات~-، وقد رسمت لك من ذلك ما تبلغه إرادتك، فقس عليه ما يرد عليك من الإيقاعات كلّها فإنّها راجعة إليه.

أمّا الإيقاعات، فالثّقيل الأوّل : ثلاث نقرات متواليات، ثمّ نقرة ساكنة ثمّ يعود الإيقاع كما ابتدئ به.

والثّقيل الثّاني : ثلاث نقرات متواليات ثمّ نقرة ساكنة، ثمّ متحرّكة، ثمّ يعود الإيقاع كما ابتدئ به.

والماخوري : نقرتان متواليتان لا يمكن بينهما زمان نقرة، ونقرة منفردة، وبين وضعه ورفعه، ورفعه ووضعه زمان نقرة.

[وخفيف الثّقيل : ثلاث نقرات متواليات لا يمكن أن يكون بين واحدة منها زمان نقرة[ وبين كلّ ثلاث نقرات وثلاث نقرات زمان] نقرة.

[والرّمل : يبدأ بفردة منفردة، ونقرتان متواليتان لا يمكن بينهما زمان نقرة، وبين رفعه ووضعه ووضعه ورفعه زمان نقرة.]

[وخفيف الرّمل : ثلاث نقرات متحرّكات ثمّ يعود الإيقاع كما ابتدئ به].

[وخفيف الخفيف] : نقرتان متواليتان لا يمكن بينهما زمان نقرة، وبين كلّ نقرتين ونقرتين زمان نقرة.

والهزج : نقرتان متواليتان لا يمكن بينهما زمان نقرة، وبين كلّ نقرتين ونقرتين زمان نقرتين.

المقالة الثّانية : [في تأليف اللّحون]

وإذ قد شرحت لك العلّة في عمل الأوتار وأصناف المذاهب فيها فإنّي ذاكر لك كيف ينبغي للموسيقار أن يأخذ نفسه بلزوم الأمر الطّبيعي في كلّ ما يحاوله من الأمور العوديّة وهي أربعة أشياء : حسن النّغمة وخفّة الأصابع وترتيب الأوتار ووزن أبيات الشّعر.

أمّا نغمة الموسيقار فإنّها إن كانت حادّة دقيقة استدللنا على أنّ الغالب على طباعه الحرارة فينبغي أن يكون زمانه في الزّمان البارد لأنّ الحرارة منقّية لطيفة؛

وإن كان جهيرا باعتدال كان الغالب عليه البرودة والرّطوبة، وصوته غليظا مضطربا، وذلك لأنّ البارد يقبض المجاري، والرّطوبة ترعّد؛

ومن كان تركيبه الحرارة والرّطوبة فصوته معتدل جهير، وذلك لأنّ الرّطوبة تليّن المسالك والحرارة تنقّي، فإذا ركّبت الحرارة مع الرّطوبة اعتدل؛

ومن كان في تركيبه البرودة واليبوسة كان صوته أبحّ خشنا وذلك لأنّ البارد يقبض واليابس يخشّن ومن ذلك تكون البحوحة، فينبغي له أن يتغنّى في الزّمان الحارّ الرّطب.

أمّا تأليف اللّحون فيقسم أوّلا إلى قسمين :

أحدهما صنعة الأوتار وتأليف بعضها إلى بعض ومعرفة ما فيها من الدّلالات على التّشاكل والازدواج وجماعة ذلك وتفصيله ووجود ما يستقيم منه ويصحّ ويستحيل ويفسد وينقسم ذلك إلى ثلاثة أقسام : أحدها الطّربي واللّهوي والتّلذّي والتّنغّمي والتّكرّمي؛ والثّاني للجرأة والنّجدة والبأس والإقدام ويسمّى الجرىء؛ والثّالث للبكاء والحزن والنّوح والرّقاد ويسمّى الشّجوي. وهذه أقسام أحد الأقسام الأوّلين.

والثّاني : الطّنيني واللّحون ومعرفة مخرجها من الفم، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام : [أوّلها] التّسبيح والتّهليل والتّضرّع والتّخشّع وهو ألينها؛ والثّاني للطّرب واللّهو وهو أفخمها؛ والثّالث للحزن والنّوح وهو أشجاها.

ثمّ ينظر إلى سنّه وفي أيّ ربع هو منه، ومن الزّمان ومن أرباع النّهار ويعدّل ذلك. فإن كان شابّا والزّمان صيفا، جعل غناءه في آخر يومه أو في أوّل ليلته، وينظر مع ذلك إلى طباعه وما يميل إليه من المزاج؛

وإن كان شيخا والزّمان شتاء، جعل غناءه أوّل النّهار، وإن كان باد المزاج جعل غناءه في الرّبع الثّاني من النّهار، وإن كان المزاج الغالب عليه الصّفراء وكمال الشّباب جعل غناءه بعد نصف النّهار؛

ثمّ ينظر، فإن كان يريد الانتقال من إيقاع إلى إيقاع، فينبغي له أن يجعل انتقاله من خفيف الثّقيل الأوّل إلى الثّقيل الأوّل، ومن الثّقيل الثّاني إلى الماخوري، ومن الماخوري إلى الثّقيل الثّاني، ومن خفيف الرّمل ومن ثقيل الرّمل إلى الماخوري.

وإذا كان الموسيقي حاذقا فوقف عند النقرتين الأخيرتين من ثقيل الرّمل، ثمّ تلاها بالنّقرة، ووقف وقفة خفيفة، ثمّ ابتدأ بالماخوري، وكذلك من الماخوري إلى ثقيل الرّمل. هذه الاستحالات والانتقالات جميعها مؤتلفة.

أمّا أيّ الايقاعات يجب أن تكسى لأيّ الأشعار، فإنّ ينبغي أن تكسى الأشعار المفرحة، مثل الأهزاج والأرمال والخفيف وما كان من المعاني الهزجيّة، بمثل الثّقيل الأوّل والثّاني. وما كان ما المعاني الأقداميّة وشدّة الحركة والتّعجّل بمثل الماخوري وما وازنه.

وينبغي أن يستعمل في كلّ زمان من أزمنة النّهار ما يوافق ويشاكل لذلك الزّمان من الايقاعات، [ففي أوّلها] : المجديّة والمكرميّة والجوديّة والسّمحيّة، وهما الثّقيل الأوّل والثّاني؛

وفي أواسطها وعند قوّة النّفس : الايقاعات الأقداميّة والتّجربة البأسيّة وهو الماخوري؛

وفي أواخرها وعند انبساط النّفس : الايقاعات الطّربيّة والسّروريّة وهي الأهزاج والأرمال والخفيف؛

وعند النّوم ووضع النّفس : الايقاعات الشّجويّة، وهي الثّقيل الممتدّ وما شاكله؛

وننبغي له أن يعلم ما يعرض لبلده من الزّمان الخارج عن الطّبع، وذلك على أربع جهات من ارتفاعها فيجعلها باردة، ومن انخفاضها فيجعلها حارّة، ومن الجبال الّتي تسترها من هبوب الشّمال فيها فتكون أسخن، ومن هبوب الجنوب فتكون أبرد، أو تكون إلى الشّمال أقرب فتبرد، أو إلى الجنوب أقرب فتسخن، أو تكون برّيّة حجريّة فتبرد، أو سبخة فتسخن.

المقالة الثّالثة

في مشاكلة الأوتار

أمّا الزّير فروح لا جسم له، والزّير مشاكل لربع الفلك الّذي من أوّل جزء من وسط السّماء، وهذا الرّبع لونه أصفر ومن أرباع البروج المثلّثات النّاريّة، ومن أرباع السّنة أوّل جزء من السّرطان إلى آخر السّنبلة، ومن أربع الشّهر من وقت تربيع القمر الأيسر إلى استقباله [للشّمس]، ومن حالات الكواكب من وقت المقام الأوّل إلى مقابلة الشّمس، ومن الكواكب المرّيخ، ومن أركان العناصر النّار، ومن الرّياح الجنوب، ومن الجهات المشرق، ومن فصول السّنة الصّيف، ومن أرباع الشّهر من أوّل اليوم السّابع إلى الرّابع عشر، ومن أرباع اليوم من ثلاث ساعات إلى نصف النّهار، ومن أركان البدن الصّفراء، ومن أرباع العمر الشّباب، ومن الأعضاء الرّئيسيّة القلب، ومن قوى النّفس المنبعثة في الرّأس القوّة الفكريّة، ومن قواها في البدن القوّة الجاذبة الّتي تفعل بالحرّ واليبس، ومن أفعالها الظّاهرة في الحيوان الشّجاعة والنّجدة والبطش والسّطو والكبر والجرأة والإقدام والمكابرة.

المثنى لا روح له وولا جسميّة. أمّا المثنى فإنّه مناسب من أرباع الفلك الرّبع الذي من أوّل جزء من الطّالع إلى أوّل جزء من وسط السّماء، وهذا الرّبع لونه أبيض بحمرة، ومن أربع البروج المثلّثة الهوائيّة، ومن أرباع الشّمس من أوّل الحمل إلى آخر الجوزاء، ومن أرباع القمر من أوّل الاجتماع إلى أن يبلغ أوّل تربيعه، ومن حالات الكواكب من خروجها من الشّعاع إلى المقام الأوّل، ومن الكواكب المشتري، ومن أركان العناصر الهواء، ومن الرّياح الصّبا، ومن فصول السّنة الرّبيع، ومن الجهات يسرة المشرق، ومن أرباع الشّهر من مستهلّه إلى اليوم السّابع منه، ومن أرباع اليوم منذ طلوع نصف قرص الشّمس إلى ربع النّهار، ومن أركان البدن الدّم، ومن أرباع العمر الحداثة، ومن قوى النّفس المنبعثة من الدّماغ ما يسمّى التّخيّل، ومن قواها في البدن القوّة الهاضمة وتفعل بالحرارة والرّطوبة، ومن الأعضاء الرّئيسيّة الكبد، ومن أفعالها في الحيوان حسن الخلق والضّحك والطّرب والسّرور والمزح والحياء واللّهو والعدل والانصاف وحبّ البرّ والمودّة.

المثلث جسم وروح. أمّا المثلث فإنّه مناسب من أرباع الفلك الرّبع الّذي من أوّل جزء من الطّالع إلى أوّل جزء من الرّبع، وهذا الرّبع لونه درّي أسمر، ومن أرباع البروج المثلثة المائيّة، ومن أرباع الشّمس من أوّل جزء من الميزان إلى آخر جزء من القوس، ومن أرباع القمر من وقت استقبال الشّمس إلى أن تصير في تربيعها الأيمن، ومن حالات الكواكب من وقت مجاوزة المقابلة إلى المقام الثّاني، ومن الكواكب الزّهرة، ومن أركان العناصر الماء، ومن الرّياح الّدبور، ومن فصول السّنة الشّتاء، ومن الجهات الشّمال، ومن أرباع الشّهر من اليوم الرّابع عشر إلى الحادي والعشرين، ومن أرباع اليوم من وقت ميل الشّمس إلى ثلاث ساعات تبقى من النّهار، ومن أركان البدن البلغم، ومن أرباع [عمر] الانسان الكهولة، ومن قوى النّفس المنبعثة في الدّماغ القوى الذّكريّة، ومن الأعضاء الرّئيسيّة الدّماغ، ومن قواها في البدن القوى الدّافعة وتفعل بالبرد والرّطوبة، ومن أفعالها الظّاهرة في الحيوان العفّة واللّطف والجبن واللّين والتّودّد.

البمّ جسم بغير روح. أمّا البمّ فإنّه مناسب من أرباع الفلك لأوّل جزء من الرّبع إلى آخر جزء من الطّالع، وهذا الرّبع يدلّ على الأدمّة، ومن أرباع البروج المثلثات الأرضيّة، ومن أرباع الشّمس من أوّل الجدي إلى آخر الحوت، ومن أرباع القمر من وقت تربيعه الأيمن إلى وقت المحاق، ومن حالات الكواكب من وقت المقام الثّاني إلى دخولها في التّغريب، ومن الكواكب زحل، ومن الأركان الأرض، ومن الرّياح الشّمال، ومن فصول السّنة الشّتاء، ومن [أرباع] الشّهر من الحادي والعشرين إلى آخره، ومن أرباع العمر الهرم، ومن الأعضاء الرّئيسيّة الأنثيين، ومن القوى المنبعثة في الرّأس القوّة الحفظيّة، ومن قواها في البدن القوّة الممسكة بفعل البرد والتّيبّس، ومن أفعالها الظّاهرة في خلق الحيوان الحلم والوقار والتّودّد والتمهّل.

في كيفيّة إظهار الأوتار أخلاق النّفس

وقد يظهر بحركات الأوتار للنّفس، كيف انتقلت في الحركات على حسب ما قدّمناه من طبعها ومناسباتها - ما يكون ظاهر الحسّ منطبعا في النّفس. فممّا يظهر في حركات الزّير من أفعال النّفس : الفرحيّة والعزّيّة والغلبيّة وقساوة القلب والجرأة والإقدام والزّهو والنّخوة والتّجبّر والتّكبّر، وهو مناسب لطبع الماخوري.

ويحصل من فعل هذا الوتر [وهذا] الإيقاع أن يكونا مقوّيين للمرّة الصّفراء، محرّكين لها، مع اجتماع الزّمان الشّتوي والنّومي وسنّ الموسيقاري وطباعه، وإذا قوي هذا الطّبع والمزاج أذاب البلغم وقطعه ورقّقه وأسخنه.

وممّا يلزم المثنى من تلك الأفعال : السّروريّة والطّربيّة والفرحيّة والجوديّة والكرميّة والتّعطّف والرّأفة والرّقّة، وهو مناسب للثّقيل الأوّل والثّاني.

ويحصل من قوّة هذا الوتر وهذين الإيقاعين : أن يكونا مقوّيين للدّم وطباعه وحركاته ولطافته وسجياته، ويكسران عاديّة السّوداء ويقمعانها ويمنعان أفعالها.

وممّا يلزم المثلث من تلك الأفعال : الجبنيّة والمراثي والحزن وما يشجي وذكر الغابر وأشباه التّرضّع، وهو مناسب للثّقيل الممتدّ.

ويحصل من هذا الوتر وهذا الإيقاع أن يكونا محرّكين للبلغم مطلقين له زائدين في اعتداله - إن كان معتدلا -، أو معدّلين له مسكّنين للصّفراء مانعين لتسليطها مطفّيين لحدّتها.

وممّا يلزم البمّ من تلك الأفعال الفرحيّة تارة والسّروريّة تارة والتّحبّب والزّهو، وهو مناسب للهزج والرّمل.

ويحصل من هذا الوتر وهذه الإيقاعات أن تكون مقوّية للسّوداء زائدة في حركاتها، مطفّية للدّم، ولها من الأغاني النّوح والشّكوى وذكر حنين الالف والطّير والإبل وبكاء الرّسوم والآثار والدمن.

التّركيب

فإذا مزج كلّ وترين منها مزاجا طبيعيّا كمزاج الطّبائع، ظهر آثارها في أفعال النّفس غير ما كان على الانفراد

فمزاج الزّير والمثلث كممازجة الشّجاعة والجبن، ويتولّد بينهما اعتدال وائتلاف، كمزاج آخر الصّيف بأوّل الخريف.

وممازجة المثنى والبمّ كممازجة السّرور والحزن ويتولّد بينهما اعتدال وائتلاف كآخر الشّتاء وأوّل الرّبيع وذلك كالسّوداء والدّم.

وقد تظهر لنا أيضا خواصّ من تأثيرها من جهة الدّساتين، وبنقل أوضاع الأصابع، والابتداءات والمقاطع، وما يمكّن المرتاض أن يقف منها على حالات عند فحصه واستبانته.

أمّا الزّير فإنّ الّذي يحصل من أثره في النّفس حركة الشّجاعة، ومن طبع الشّجاعة الملك والجود والكرم. ومن طبع المثلث الجبن والانخذال.

ومن طبع المثنى الجبن والنّذالة والنّحل والنّدامة والضّعة. ومن طبع البمّ الحلم والزّكانة والرّصانة، ومن طباعه أيضا السّرور تارة والحلم تارة، مع الأفكار الرّديئة والكمد وانقطاع الطّبع وانخذال النّفس.

[10] في العشرة أوتار

أمّا داود فإنّه بعد الآلة ذات الثّمانية الأوتار - صنع آلة ذات عشرة أوتار، لأنّه وجد أصابع اليدين عشرة تقع [على] كلّ الثّقوب العشرة في السّرناي، ووجد مخارج النّغم بالثّمانية والعشرين حرفا من عشرة مواضع في الفم المهيّأ كالدّواة، واللّسان فيه كالقلم، والرّيق كالمداد.

وقال في المزمور الثّاني والثّلاثين : سبّحوا أيّها الأبرار فإنّ للباري يحقّ التّسبيح واشكروه، بعبارة داود عشرة أوتار : سبحوه تسبيحة جديدة وعزوفا بالصّوت الحسن لأنّ لفظ رب العالمين لفظ مستقيم، ويريد بالمستقيم الايقاع الموزون.

أمّا مخارج الكلام فهي عشرة :

هوائيّة تخرج من الصّدر، أ، ي.

حلقيّة تخرج من الحلق : ح، خ.

لهويّة تخرج من اللّهاة : ع، غ.

حنكيّة تخرج من الحنك : م، ن.

نواجذيّة تخرج من النّواجد : ض، ظ.

لثويّة تخرج من اللّثّة : ث، ذ.

زلقيّة تخرج من رأس اللّسان : ص، س.

شفويّة تخرج من الشّفّة : ف.

قطعيّة تخرج من قطع الفمّ : د، ت.

[؟]

ووجدوا خطوط الأشكال عشرة في البسيط والجثّة : قطر الدّائرة وإحاطتها، وخطّ القوس، والوتر، والسّهم، وخطّ المثلّث، وخطّ العمود - وهذه سبعة في البسيط -، وثلثة في الجثّة : خطّ في القامة والعمق، وخطّ يسمّى قطر الجثّة يؤخذ من إحدى زوايا الطّول إلى إحدى زوايا العرض، وخطّ مسقط حجر الجثّة.

ووجدوا أكر العالم عشرة : كرة الحركة الأولى، وكرة الكواكب الثّابتة، وكرة زحل، وكرة المشتري، وكرة المرّيخ، وكرة الشّمس، وكرة الزّهرة، وكرة عطارد، وكرة القمر، وكرة الهواء والنّار وكرة الأرض والماء - وهذه هي الطّبيعة -. وكذلك وجدوا الأعطام المخلوقة في العالم عشرة : [...] الشّمس إلى الأرض.

وكذلك وجدوا عدد ثقوب النّاي الرّومي الذّي على الزّق عشرة - تقع عليها خمس أصابع لأنّ كلّ ثقبين لاصبع -.

والمقولات على جميع الأشياء عشرة وهي : الجوهر [والعرض] والكمّ والكيف والمكان والزّمان والحال والهيئة والعلّة والمعلول.

ووجدوا الأحرف التّي لا نظير لها لصورها عشرة : أ ف ت ك ل م ز و هـ ي.

والنّسب العدديّة عشرة : خمس تسمّى الأطراف العظمى وخمس تسمّى الأطراف الصّغرى.

الفهارس

فهرست شلواح 1979: [173]

مراجع بيبليوغرافيّة

  • أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي ، زكريّا يوسف (تحقيق) : مؤلّفات الكندي الموسيقيّة، مطبعة شفيق ، 1962.
  • ، ستيفاني شاڥا (ترجمة) : Al-Kindī und die Wirkung der Musik : das "Buch der Cordophone von den Eisaitigen bis zu den Zehnsaitigen"، Institut für Geschichte der arabisch-islamischen Wissenschaften ، 2018.