<title type="main">كتاب الملاهي Kitāb al-Malāhī أبو طالب بن عاصم الضبي مفضّل بن سلمة ... ... ... ... ... ... تحقيق أنس غراب

أكثر معلومات حول المؤلّف تركيا اسطنبول توبكابي ساراي - Topkapi Saray A. 0/2286 : - الحمد للّه الذي يهب الفهم لمن يشاء... وذكر لي عن بعض من يدعي العلم تم كتاب الملاهي والحمد لله وحده وصلى الله على محمد إلخ ﺎﻠﻋﺮﺒﻳّﺓ
[قراءة انطلاقا من تحقيق غطّاس عبد الملك خشبة]
وصف محتوى الكتاب
فهرس الكتاب
[مقدّمة الرّسالة]

بسم اللّه الرّحمان الرّحيم

الحمد للّه الذي يهب الفهم لمن يشاء وأعوذ باللّه من ادّعاء ما لا أحسن، فقديما ما هتك ذلك من يتعرّض له حتّى ضربت به الأمثال وجرى على ألسن الخواصّ والعوامّ، فمن ذلك الحديث الذي يروي : « المتشبّع بما لا يحسن كلابس ثوبي زور »، وبعضهم يرويه : « ... بما لا يملك ». وفي هذا يقول الشّاعر :

مَنْ تَحَلَّى بِغَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ *** فَضَحَتْهُ شَوَاهِدُ الامْتِحَانِ

وَجَرَى فِي الرِّجَالِ جَرْيَ هَجِينٍ *** غَادَرَتْهُ الجِيَادُ فِي المَيْدَانِ

وذكر لي عن بعض من يدّعي العلم أنّه زعم أنّ العرب لا تعرف العود ولا في كلامها تسمية شيء من أوتاره وآلته، فعزمت على تبيين أمر العود وغيره من الملاهي، ومن أوّل من عمل شيئا منها وما قالت العرف في أسمائها وأسماء آلاتها، ليقف من احتاج إلى معرفة شيء من ذلك عليه.

[حول ترخيص استعمال الملاهي]

ثمّ رأيت أن أقدّم ما جاء في ذلك من الرّخص ليعلم من استعمل شيئا من هذه الملاهي أنّ الأمر فيها بحمد اللّه سهل وأنّها ليست بحرام.

فمن ذلك ما حدّثنا عمر بن شبّة ومحمّد بن شدّاد المسمعيّ المعروف بزرقان المتكلّم، قال محمّد بن شدّاد : سألت أبا عاصم، وقال بن شبّة : سُئل أبو عاصم النّبيل، عن القراءة على الغناء، وقيل له : إنّ سفيان بن عُيَينة يقول في قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : من لم يتغنّ بالقرآن فليس منّا، إنّه من الاستغناء، فقال أبو عاصم : ما صنع شيئا.

أخبرنا ابن جريح قال :

سألت عطاءً عن القراءة على الغناء، فقال : وما بأس بذلك !

حدّثنا عبد اللّه بن عمير اللّيثيّ أنّه كانت لداود نبيّ اللّه عليه السّلام معزفة إذا قرأ ضرب بها فيبكي ويُبكي.

ذهب أبو عاصم أنّ التّغنّي بالقرآن مدّ الصّوت فيه وتحسينه وذهب سفيان إلى الاستغناء به عن كلّ دواء.

والتّغنّي يكون من الشّعر والمال، فمن الشّعر قول حسّان :

تغنّ بالشّعر إمّا كنت قائله *** إنّ الغناء لهذا الشّعر مضمار

المضمار هنا مَثَلٌ لأنّ المضمار للخيل إصلاحها وتعريفها ورياضتها حتّى تستوي فشبّه إصلاح الغناء لوزن الشّعر بذلك.

وقال الآخر في التّغنّي من المال :

كم من غنيّ رأيت الفقر أدركه *** ومن فقير تغنّى بعد إقلال

وحدّثنا يعقوب بن إسحاق، المعروف بابن أبي إسرائيل، قال، حدّثنا أبو بكر بن منصور بن سيار، قال : حدّثنا يونس بن محمّد المعلّم، قال : حدّثنا أبو أويس عن حسين بن عبد اللّه بن عبّاس، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، رضي اللّه عنه، قال : مرّ النّبيّ صلعم بحسّان وقد رشّ فناء أُطمه ومعه أصحابه سِماطَيْنِ، وجارية له لقال لها شيرين، معها مزهر تختطف يه السّماطَيْنَ وهي تغنّيهم، فلمّا مرّ النّبيّ عليه السّلام ولم يأذن لهم ولم ينههم فانتهى إليها وهي تقول :

هل على وَيْحَكُمَا *** إِنْ لَهَوْتُ مِنْ حَرَجِ

قال : تبسّم النّبيّ، صلعم، وقال : لا حرج عليه إن شاء اللّه.

وحدّثنا يعقوب هذا ٬ حدّثنا أحمد بن منصور، قال : حدّثنا أبو سلمة النبودكيّ قال : حدّثنا حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، عن يوسف بن مهران : أن ابن عمر دخل على عبد اللّه بن جعفر، ذي الجناحين، فإذا عنده بربط، فقال : يا أبا عبد الرّحمان، إن علمت ما هذا، فلك كذا وكذا، قال : فنظر إليه ساعة وقلّبه، وقال : أنا أبو عبد الرّحمان، ميزانٌ روميّ !

وروي عن ابن إبراهيم بن سعد، صاحب المغازي، أنّه قال :

إنّ فكرتي لتطول في أهل العراق وتحريمهم الغناء تحليلهم المسكر، لقد شهدتني في مسجد من مساجد الأنصار مع أبي، وتذاكروا الغناء فقالوا، وهم زهاء عشرة : اذهبوا بها إلى جارية الأَوَسِيِّ، فقاموا وقمت معهم، حتّى دخلنا منزل مولى الجارية، فرحّب بهم وقال : ما بي حاجة أن أسأل عن مجيئكم فيما هو، ثمّ دخل بعض منازله هنيئة، فإذا جاريته، التي قصدنا لها، قد خرجت معها عودها، فسلّمت وقعدت، فأوّل ما سمعت من الغناء لفي ذلك اليوم، فتغنّت :

أًلمّا تسأل المنز *** لَ والرّبع الذي أقوى

عفته الرّيح والقطر *** فأمسى دارس المغنى

قال : فلم يبق شيخ إلّا قام، وفي كواء البيت دفوف مربّعة، فأخذوها، وأخذ بعضهم طبلا فعلّقه في عنقه، فارتجّت الدّار وما حولها، ودخل مشايخ الحيّ علينا، فكنّا في شيء لو حضره أيّوب وابن عون لكفّا وقصّرا عن تحريمه، فلمّا ثوّت المنادي بالصّلاة، نهضوا إلى مجالسهم، ما علمت أنّ أحدا منهم تحوّب ممّا كان فيه، وما في القوم إلّا شريف أو فقيه أو مرغوب، أو مرهوب منه.

وكان إبراهيم بن سعد يضرب بالعود ويغنّي.

وحدّثنا يعقوب بن إسحاق هذا قال : حدّثنا داود بن رشيد والحسن ابن شبيب قالا : أخبرنا اسماعيل بن عيّاش قال : حدّثنا عبد العزيز بن عبد اللّه عن محمّد بن عمرو، عن عطاء بن أبي سلمة بن عبد الرّحمان بن عوف، قال : لقد ضرب بالدّفّ وغنّي على عهد عبد الرّحمان بن عوف ليلة أُمْلِك.

حدّثنا يعقوب هذا قال : حدّثنا القعنبيّ قال : حدّثنا خالد بن إلياس عن القاسم بن محمّد، عن عائشة، رضي اللّه عنها، قالت : قال رسول اللّه صلعم : أظهروا النّكاح، وكان النّبيّ، صلعم، يحبّ أن يضرب عليه بالدّف.

وإنّما أردت ذكر الملاهي، فأمّا الغناء فإنّ الرّخص فيه كثيرة، لو أردت ذكرها لطال الكتاب، وإنّما غرضي فيه ذكر الملاهي فقط، وأنا ذاكر من ذلك ما أرجو أن يكون فيه مقنع إن شاء اللّه.

[لامك ووضع العود]

ذكر هشام بن الكلبيّ أنّ أوّل من عمل العود فضرب به رجل من بني قابيل، ويقال : قايين بن آدم، يقال له : لامك، وكان عَمَّر زمانا طويلا ولم يكن يولد له فتزوّج خمسين امرأة وتسرّى بمائتي سُرِّيَّة، فولدت له جاريتان، يقال لإحداهما : صلاء، وللأخرى : يمّ، ثم وُلد له غلام قبل أن يموت بعشر سنين، فاشتدّ فرحه، فلمّا أتت على الغلام خمس سنين مات، فجزع عليه جزعا شديدا، فأخذه فعلّقه على شجرة، فقال : لا تذهب صورته على عن عينيّ حتّى يتقطّع أشلاء أو أموت، فجعل لحمُه يقع عن عظامه حتى بقيت الفخذ بالسّاق والقدم والأصابع، فأخذ عودا فشقّه ورقّقه وجعل يؤلّف بعضه على بعض، فجعل صدره على صورة الفخذ، والعنق على صورة السّاق، والإبريق على قدر القدم، والملاوي كالأصابع، وعلّق عليه أوتارا كالعروق، ثمّ جعل يضرب ويبكي وينوح حتّى عَمِيَ، فكان أوّل من ناح، وسَمَّى الذي اتّخذا : عودا، لأنّه اتّخذ من عود.

وكانت صلاء، إحدى ابنتيه، أوّل من عمل المعازف والطّبول.

[الطّنابير وقوم لوط]

قال : وأمّا الطّنابير، فأوّل من عملها قوم لوط، كان إذا أعجبهم الغلام الأمرد استمالوه بذلك يضربون له بالطّنبور.

[المزامير وبنو إسرائيل، القصبة والأكراد]

وأمّا المزامير، وكلّ ما ينفخ به، فإنّما عملته بنو إسرائيل، على حلق داود، عليه السّلام، إلّا القصبة التي يصفّر فيها، فإنّ الأكراد أوّل من اتّخذها، كان إذا تفرّقت عنهم غنمهم صفّروا لها فاجتمعت.

[الدّفوف والعرب]

وأوّل من اتّخذ الدّفوف، العربُ.

[حول اتّخاذ القينة : الجرادتان]

وأوّل من اتّخذ قَيْنَةً، رجل من العاربة، وكانت له قينتان، يقال لهما : الجرادتان، وهما اللّتان يضرب بهما المثل فيقال : « صار حديثا للجرادتين »، وذلك أن عادا، لمّا حبّس اللّه عنهم المطر، وكانوا ينزلون ما بين الشّحر، وحضرموت، فبعثوا وفدهم إلى مكّة يستسقون لهم، فنزلوا على معاوية بن بكر، لأنّه صهر لهم، فشغلوا بشرب الخمر وسماع الجرادتين عن الاستسقاء، فلمّا رأى ذلك معاوية قال شعرا وأمر قينتيه فتغنّتا به فلمّا سمعوه ذكروا قومهم، فقاموا واستسقوا، وقد ذكرت حديثهم في كتابي المسمّى بالفاخر.

[أسماء العود]

ولم تزل العرب أصحاب لهو وغزل وحبّ للسّماع وميل إليه، وكانوا يسمّون القينة : كرينة، ويسمّون العود : الكران، والمزهر والبربط والموتّر، وبكلّ هذه الأسماء قد وجدت أشعارهم.

ومن أسمائه التي لم تأت في الشّعر، وإنّما سمّي في الحديث : العرطبة.

وقال امرؤ القيس :

فإن أمس مكروبا فيا ربّ قينة *** منعّمة أعملتها بكران

لها مزهر يعلو الخميس بصوته *** أجشّ إذا ما حرّكته يدان

الخميس هاهنا : الجيش، والخميس أيضا اسم صنم، والخميس أيضا ضرب من الثّياب، في الحديث : «ائتوني بخميس أو لبيس ».

وقال لبيد بن ربيعة :

أغلي السّباء بكلّ أدكن عاتق *** أوجونة قدحت وفضّ ختامها

بصبوح صافية وجذب كرينة *** بموتّر تأتاله إبهامها

تأتاله : تفتعله، من ألت الشّيء، أصلحته، والسّباء : شراء الخمر، يقال : سبأت الخمر، اشتريتها، وأدكن : يعني دنا، والجونة : الخابية، والجون : الأبيض، والجوّن : الأسود، وقدحت : فضّ عنها طينها.

وقوله : تأتاله، تسوسه وتقوم عليه، والإيالة : حسن القيام على المال.

وقال أعشى بني قيس، وهو جاهليّ :

جالس حوله النّدامى فما ينـ *** فكّ يؤتى بمزهر مجدوف

مجدوف : أي مضروب به، ويروى «... بموكّر...»، زقّ، فهو مقطوع الأكارع.

وقال أيضا :

وبربطنا دائم معمل *** فأيّ أولئك أزرى بها

أي أولئك : يعني أصناف الملاهي، لأنّه ذكرها.

[حول أوتار العود والصوت]

ويقال لأوتاره : المحابض، واحدها : محبض، وهي الشّرع، واحدتها : شرعة، فمنها

الزّير، والذي يليه : المثنى، ومنهم من يسمّيه : الثّاني. والمثلث، ومنهم من يسمّيه : الثّالث. والبمّ.

ويقال للّتي يسمّيها الفرس الدّساتين : العتب.

وكلّ ذلك قد جاء في الشّعر، قال تميم بن أبّي بن مقبل :

صدحت لنا جيداء يركض ساقها *** عند التجّار مجامع الخلخال

فضلى تنازعها المحابض رجعها *** وأحدّ لا صحل ولا مصحال

صدحت : غنّت، والصّدح رفع الصوت، ويروى : «... لا قَطَعٍ ولا مصحال ...»، وتركض، تدفع، ومجامع الخلخال : أي موضع مجامع الخلخال، يعني : ذيلها، والتجّار : الخمّارون هاهنا.

وقوله : فضلى، أي في ثوب بذلة، والأحدّ : الخفيف، يعني عودا، والصّحل والمصحال : الذي ليس بصافي الصوت، والصّحل : البحوحة في الصوت.

وقال ابن هرمة :

كما ازدهرت قينة بالشّراع *** لإسوارها عُلَّ منها اصطحابا

وقال الأعشى :

وثنى الكفّ على ذي عتب *** صحل الصّوت بذي زير أبحّ

وقال الصّقعب بن حيّان التغلّبي :

وقرّب الخرَّد من قيانه *** عودا له الفضل على عيدانه

أخفّ عند الحمل واحتضانه *** من ريشة توضع في ميزانه

أخرس تلقاه على بيانه *** [يقسم باللّه على إحسانه]

قوّمه رَوْحٌ على ضمانه *** للقصد بعد الزّيغ واعتنانه

كرامة المجلس في هوانه

روح : اسم المغنّي، الضّمان : أن يكون كفيلا به فلا يخرج عن صحيح النّغم، الزّيغ : الميل، والاعتنان : أن لا يستقيم على وجه واحد.

فردّد الكفّ على جفانه *** تردّد الهربذ في بستانه

وشرّف الخنصر من بنانه *** تشرّف اللّصّ على جيرانه

واعتمد الزّير على إرنانه *** وحافظ الثّاني على رهانه

وجمح الثّالث في ميدانه *** وبربر البمّ على قرانه

بربرة الشيخ على صبيانه

البربرة : صوت فيه غلظ وسرعة.

هناك زال الهمّ عن أخدانه *** حتّى ترى النّشوان في قمصانه

يزحف قد ألقى بطيلسانه *** تزحّف الشاه على فرزانه

وقال أبو الهندي :

إذا سوّت الزّيرين والمثلث الذي *** على دون بيت البمّ والبمّ يضرب

رأيت يمناها على البمّ سرعة *** وتحسب يسراها على العتب تحسب

ومزمار أخرى حين ينفخ يعتلي *** جوابا لقرع العود والعود يصخب

أداد العتب، فخفّف.

[بقيّة الملاهي]

ومن الملاهي : الطّنبور، وهو الدّريح والونّ.

وقال ذو الرمّة :

يضحي بها الأرقش الجون القراغردا *** كلأنّه زجل الأوتار مخطوم

من الطنابير يزهي صوته ثمل *** في لحنه عن لغات العرب تعجيم

القرا : الظّهر، ويزهى : يرفع، والأرقش : السّفط، يعني الجنب يصوّت في الحرّ، وزجل : شديد.

وقال آخر :

ودرّيجنا دائب معمل *** يجاوبه الدّف والمزهر

وقال الأعشى :

ومشتقّ صينيّ وونّ وبربط *** يجاوبه صنج إذا ما ترنّما

وقال الرّاعي :

وطنبور أجشّ وريحُ ضِغثٍ **** من الريحان يتّبع الشؤونا

الضّغث : القطع من الرّيحان، والشؤون : أصول شعب الرّأس، واحدها : شأن، ويقال : إنّها مجاري الدّمع، فأراد رائحة الرّيحان، يبلغ هناك من حدّته وطيبه.

ومن الملاهي : المزمار، والمزمر والزمّارة، والنّاي، والكران، والقصّاب، والمشتق، ويقال له أيضا : مشتق صينيّ، وهو فارسي معرّب، يقال له : مشته صيني، أي يؤخذ باليدين.

واليراع : المزمار المعمول من قصب، [ويقال] له : الزّنبق، والهنبقة.

وقال أبو البيداء :

إسقني يا زبير بالقرقاره *** قد طربنا وحنّت الزمّاره

وقال أبو التّيحان :

هل إلى سكرة بسافلة الكو *** فة شنعاء يا قبيص سبيل

وأبو التّيحان في كفّه القر *** عة والرّأس فوقه إكليل

وكرانٌ كأنّه بيذق الشّط *** رنج يفتنّ فيه قال وقيل

يفتنّ : يأخذ في فنون منه، وهو الضروب.

وقال الأعشى :

وشاهدنا الجلّ والياسميـ *** ن والمسمعات بقصّابها

الجلّ : الورد، وهو فارسي معرّب، أخذه الأعشى من الفرس، لأنّه ذهب إلى كسرى.

وقال والبة بن الحباب :

ويراع وصوتُ دفــ *** ـف (دفّ) وناي ومزهر

ومغنّ والدّر من *** فيه للشّرب ينثر

وقال آخر يصف نايا :

وإن حرّكته الريح أسبل صوته *** وحنّ كما حنّ اليراع المثقّب

وقال المعلوط القريعيّ :

وحنّت بقاع الشّام حتّى كأنّما *** لأصواتها في منزل القوم زنبق

وقال الأحوص :

يردّ أنابيب الحنين جراتها *** كما ارتجّ رجس في زنابق زمجر

والزّمجر : الأجوف، يريد القصب الذي يزمّر به.

وقال : ورجّع في حيزومه غير ناغم *** زغاء من الأحشاء جوفا هنابقه

لم ينغم للهدير وإنّما نغم للضّجر.

ومن الملاهي : الطّبل، وهو الكبر والكوبة، ومنه حديث عبد اللّه بن عمر، قال : نهى رسول اللّه، صلعم، عن الخمر والميسرو والكوبة، والغبيراء وكلّ مسكر، ويقال للنّرد، بلغة أهل اليمن : الكوبة، والغبيراء شراب يعمل من الذّرة، وهي السّكركة، بلغة الحبشة.

وقال الشّاعر :

فإذا حنّت المزامير والمز *** هر تسمو بصوته الأوتار

وتغنّى الشّادي المغرّد لمّا *** جاوبتها الدّفوف والأكبار

أمطرتنا الأقداح شجّ سرور *** ونأتنا الهموم والأفكار

الشّادي : المغنّي، والشّدو : الغناء، والشّدو، من غير هذا، الابتداء بالأخذ من الشّيء.

ويقال : هو الدّف، والدّفّ والكنّارة، ويقال : الكِنّارة من أسماء العود.

وقال عمرو بن الإطنابة :

علّلاني وعلّلا صاحبيّا *** واسقياني من المروّق ريا

ما أبالي إذا اصطحبت ثلاثا *** أرشيدا دعوَتني أمّ غويّا

إنّ فينا القيان يعزفن بالدّفـ *** ـف لفتيانا وعيشا رخيّا

وأمّا المعزفة فلم تكثر عند العرب، وإنّما يعزف بها أهل اليمن، من ملوك صنعاء والجند ونجران وتبالة وجرش، فلذلك ليس لها إلّا اسم واحد.

[طبقات المغنّين]

وأوّل من يقال إنّه بدا بالعود وناح به لامك، وأوّل من غنّى في العرب الجرادتان، ثمّ غنّى جذيمة بن سعد الخزّاعي، وكان أحسن النّاس صوتا، فسمّي : المصطلق، لحسن صوته.

وأوّل من غنّى من أهل اليمن رجل من بني حمير، يقال له : عبس، فسمّي لحسن صوته : ذاجدن.

وأوّل من حدا مضر بن نزار، وذلك أنّه سقط من بعير له فاندقت يده وتفرّقت إبله، فجعل يقول : يا يداه يا يداه، وكان حلقه حسنا فاجتمعت إبله، فحدت العرب على هذا المثال.

[أنواع الغناء]

وكان الغناء عند العرب على ثلاثة أوجه : النّصب والسّناد والهزج.

فأمّا النّصب : فغناء الرّكبان، وهو الذي يقال له : المراثي، يغنّيه الفتيان.

وأمّا السناد : فالثقيل ذو الترجيع والنغم والنبر.

وأمّا الهزج : فهو الخفيف الذي يمشى عليه ويلهي ويستخفّ الحلوم.

وكان غناء أهل اليمن يدعى : الحنفي.

تمّ كتاب الملاهي والحمد للّه وحده وصلّى اللّه على محمّد نبيّه وآله الطاهرين وسلّم تسليما.

مراجع بيبليوغرافيّة