<title type="main">العقد الفريد أبو عمر أحمد بن محمّد بن عبد ربّه ... ... ... ... ... ... تحقيق أنس غراب

أكثر معلومات حول المؤلّف
وصف محتوى الكتاب
فهرس الكتاب
[مقدّمة]

الجزء السابع

كتاب الياقوتة الثانية في علم الألحان واختلاف الناس فيه لابن عبد ربه قال أبو عمر احمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في أعاريض الشعر وعلل القوافي، وفسرنا جميع ذلك بالمنظوم والمنثور.

ونحن قائلون بعون الله وإذنه في علم الالحان واختلاف الناس فيه، ومن كرهه، ولأي وجه كره؛ ومن استحسنه، ولاي وجه استحسن؛ وكرهنا ان يكون كتابنا هذا بعد اشتماله على فنون الآداب والحكم والنوادر والامثال، عطلا من هذه الصناعة، التي هي مراد السمع، ومرتع النفس وربيع القلب، ومجال الهوى، ومسلاة الكئيب، وأنس الوحيد، وزاد الراكب؛ لعظم موقع الصوت الحسن من القلب، وأخذه بمجامع النفس..

ابن مسلم وابن دأب قال ابو سعيد بن مسلم: قلت لابن دأب: قد أخذت من كل شيء بطرف غير شيء واحد، فلا أدري ما صنعت فيه. فقال: لعلك تريد الغناء؟ قلت: أجل. قال:

أما إنك لو شهدتني وأنا أترنم بشعر كثيّر عزة حيث يقول:

وما مرّ من يوم عليّ كيومها ... وإن عظمت أيام أخرى وجلّت

لاسترخت تكّتك ! قال: قلت: أتقول لي هذا! قال: اي والله: وللمهدي أمير المؤمنين كنت أقوله.

فصل في الصّوت الحسن

[للمفسرين]

قال بعض أهل التفسير في قول الله تعالى: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ : هو الصوت الحسن.

[للنبي صلّى الله عليه وسلم]

وقال النبي صلّى الله عليه وسلم لابي موسى الاشعري لما أعجبه حسن صوته: لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود.

[لأهل الطب]

وزعم أهل الطب أن الصوت الحسن يسري في الجسم، ويجري في العروق، فيصفو له الدم، ويرتاح له القلب، وتنمو له النفس، وتهتز الجوارح، وتخف الحركات؛ ومن ذلك كرهوا للطفل أن ينوّم على أثر البكاء حتى يرقص ويطرب.

[ليلى الاخيلية والحجاج]

وقالت ليلى الاخيلية للحجاج حين سألها عن ولدها وأعجبه ما رأى من شبابه:

إني والله ما حملته سهوا، ولا وضعته يتنا، ولا أرضعته غيلا، ولا أنمته تئقا. تعني لم أنوّمه مستوحشا باكيا؛ وقولها: ما حملته سهوا، تعني في بقايا الحيض؛ ويقال: حملت المرأة وضعا وتضعا، إذ حملت في استقبال الحيض؛ وقولها: ولا وضعته يتنا، تعني منكسا؛ وقولها: ولا أرضعته غيلا، تعني لبنا فاسدا.

[للفلاسفة]

وزعمت الفلاسفة أن النغم فضلّ بقي من المنطق لم يقدر اللسان على استخراجه فاستخرجته الطبيعة بالالحان على الترجيع لا على التقطيع، فلما ظهر عشقته النفس وحنّ إليه الروح؛ ولذلك قال أفلاطون: لا ينبغي ان تمنع النفس من معاشقة بعضها بعضا؛ ألا ترى ان اهل الصناعات كلّها إذا خافوا الملالة والفتور على أبدانهم، ترنّموا بالالحان، فاستراحت لها أنفسهم.

وليس من احد كائنا من كان إلا وهو يطرب من صوت نفسه، ويعجبه طنين رأسه؛ ولو لم يكن من فضل الصوت إلا أنه ليس في الأرض لذة تكتسب من مأكل أو ملبس أو مشرب أو نكاح أو صيد، إلا وفيه معاناة على البدن، وتعب على الجوارح. غيره، لكفى.

وقد يتوصل بالالحان الحسان إلى خير الدنيا والآخرة؛ ذلك أنها تبعث على مكارم الاخلاق، من اصطناع المعروف، وصلة الرحم، والذبّ عن الاعراض، والتجاوز عن الذنوب؛ وقد يبكي الرجل بها على خطيئته، ويرق القلب من قسوته، ويتذكر نعيم الملكوت ويمثله في ضميره.

وكان أبو يوسف القاضي ربما حضر مجلس الرشيد وفيه الغناء، فيجعل مكان السرور به بكاء، كأنه يتذكر به نعيم الآخرة !

[لابن أبي داود]

وقال أحمد بن أبي داود إن كنت لاسمع الغناء من مخارق عند المعتصم، فيقع علي البكاء!

حتى إن البهائم لتحنّ إلى الصوت الحسن وتعرف فضله؛ وقال العتابي وذكر رجلا، فقال: والله إن جليسه لطيب عشرته لأطرب من الإبل على الحداء، والنحل على الغناء.

[لصاحب الفلاحات]

وكان صاحب الفلاحات يقول بأن النحل أطرب الحيوان كله إلى الغناء، وإن افراخها لتستنزل بمثل الزّجل والصوت الحسن.

قال الراجز:

والطّير قد يسوقه للموت *** إصغاؤه إلى حنين الصّوت

وبعد، فهل خلق الله شيئا اوقع بالقلوب وأشدّ اختلاسا للعقول، من الصوت الحسن، لا سيما إذا كان من وجه حسن، كما قال الشاعر:

ربّ سماع حسن *** سمعته من حسن

مقرّب من فرح *** مبعّد من حزن

لا فارقاني أبدا *** في صحة من بدني

وهل على الارض رعديد مستطار الفؤاد، بتغنّى بقول جرير بن الخطفي:

قل للجبان إذا تأخّر سرجه *** هل أنت من شرك المنية ناجي

إلا ثاب إليه روحه، وقوي قلبه ؟ أم على الأرض بخيل قد تقفّعت أطرافه لؤما، ثم غنى بقول حاتم الطائي :

يرى البخيل سبيل المال واحدة *** إنّ الجواد يرى في ماله سبلا

إلا انبسطت أنامله ورشحت أطرافه؟ أم هل على الارض غريب نازح الدار بعيد المحل، يتغنى بشعر علي بن الجهم :

يا وحشتا للغريب في البلد النّا *** زح ماذا بنفسه صنعا

فارق أحبابه فما انتفعوا *** بالعيش من بعده ولا انتفعا

يقول في نأويه وغربته *** عدل من الله كلّ ما صنعا

إلا انقطعت كبده حنينا إلى وطنه، وتشوّقا إلى سكنه ؟

اخلاف النّاس في الغناء

اختلف الناس في الغناء، فاجازه عامة اهل الحجاز، وكرهه عامة أهل العراق.

[رأي من اجازه]

فمن حجّة من اجازه أن أصله الشعر الذي أمر النبي صلّى الله عليه وسلم به، وحضّ عليه، وندب اصحابه اليه، وتجند به على المشركين؛ فقال لحسان: شنّ الغارة على بني عبد مناف، فو الله لشعرك أشدّ عليهم من وقع السهام في غلس الظلام. و [الشعر] هو ديوان العرب ومقيّد احكامها الشاهد على مكارمها؛ وأكثر شعر حسان بن ثابت يغنى به.

[حسان وابنه]

قال فرج بن سلام: حدثني الرياشي عن الاصمعي قال: شهد حسان بن ثابت مأدبة لرجل من الأنصار وقد كفّ بصره، ومعه ابنه عبد الرحمن، فكلما قدّم شيء من الطعام قال حسان لابنه عبد الرحمن: أطعام يد أم طعام يدين؟ فيقول له طعام يد.

حتّى قدّم الشّواء، فقال له: هذا طعام يدين. فقبض الشيخ يده؛ فلما رفع الطعام اندفعت قينة تغني لهم بشعر حسان:

انظر خليلي بباب جلّق هل *** تبصر دون البلقاء من أحد

جمال شعثاء إذا هبطن من ال *** منحشّ دون الكثبان فالسّند

قال: فجعل حسان يبكي، وجعل عبد الرحمن يوميء إلى القينة أن ترددّه! قال الاصمعي: فلا أدري ما الذي اعجب عبد الرحمن من بكاء ابيه !

[لعائشة]

وقالت عائشة رضي الله عنها: علّموا أولادكم الشعر تعذب ألسنتهم.

هل عليّ ويحكم *** إن لهوت من حرج !

فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: لا حرج إن شاء الله.

والذي لا ينكره اكثر الناس، غناء النصب، وهو غناء الركبان.

[عمر بن الخطاب]

حدّث عبد الله بن المبارك عن اسامة بن زيد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عبد الله بن عمر عن أبيه، قال: مر بنا عمر بن الخطاب وأنا وعاصم بن عمر نغني غناء النصب، فقال: أعيدا عليّ. فأعدنا عليه، فقال: أنتما كحماري العباديّ، قيل له: أي حماريك شرّ؟ قال: ذا، ثم ذا !

أنس بن مالك وسمع أنس بن مالك أخاه البراء بن مالك يغني، فقال: ما هذا؟ قال: أبيات عربية أنصبها نصبا.

[ابن أبي وقاص]

ومن حديث الجماني عن حماد بن زيد عن سليمان بن يسار، قال: رأيت سعد بن أبي وقاص في منزل بين مكة والمدينة قد ألقي له مصلّى فاستلقى عليه ووضع إحدى رجليه على الاخرى وهو يتغنى، فقلت: سبحان الله أبا إسحاق! أتفعل مثل هذا وأنت محرم؟ فقال: يا بن أخي، وهل تسمعني أقول هجرا.

[عمرو النابغة الجعدي]

ومن حديث المفضل عن قرّة بن خالد بن عبد الله بن يحيى، قال: قال عمر بن الخطاب للنابغة الجعدي : أسمعني بعض ما عفا الله لك عنه من غنائك. فاسمعه كلمة له. قال: وإنك لقائلها؟ قال: نعم. قال: لطالما غنيت بها خلف جمال الخطاب.

[ابن جريج وعطاء] عاصم عن جريج، قال: سألت عطاء عن قراءة القرآن على الحان الغناء والحداء، قال: وما بأس ذلك يابن أخي !

[داود عليه السلام]

قال، وحدّث عبيد بن عمير الليثي، أنّ داود النبي عليه السلام، كانت له معزفة يضرب بها إذا قرأ الزبور لتجتمع عليه الجنّ والإنس والطير، فيبكي ويبكي من حوله؛ وأهل الكتاب يجدون هذا في كتبهم.

[رأي من كرهه]

ومن حجة من كره الغناء أن قال: إنه يسعر القلوب، ويستفز العقول، ويستخف الحليم، ويبعث على اللهو، ويحض على الطرب، وهو باطل في أصله. وتأولوا في ذلك قول الله عزّ وجلّ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ. وَيَتَّخِذَها هُزُواً، وأخطئوا في التأويل؛ إنما نزلت هذه الآية في قوم كانوا يشترون الكتب من أخبار السّير والاحاديث القديمة ويضاهون بها القرآن ويقولون إنها أفضل منه؛ وليس من سمع الغناء يتخذ آيات الله هزوا؛ وأعدل الوجوه في هذا أن يكون سبيله سبيل الشعر، فحسنه حسن وقبيحه قبيح.

[ابن جامع وسفيان]

وقد حدّث ابراهيم بن المنذر الخزاعي أنّ ابن جامع السهمي قدم مكة بمال كثير، ففرّقه في ضعفاء أهلها؛ فقال سفيان بن عيينة: بلغني أنّ هذا السهمي قدم بمال كثير.

قالوا: نعم. قال: فعلام يعطى؟ قالوا: يغني الملوك فيعطونه. قال: وبأي شيء يغنيهم؟ قالوا: بالشعر. قال: فكيف يقول؟ فقال له فتى من تلاميذه: يقول:

أطوّف بالبيت مع من يطوف *** وأرفع من مئزري المسبل

قال: بارك الله عليه، ما أحسن ما قال! قال: ثم ماذا؟ قال:

وأسجد بالليل حتى الصباح *** وأتلوا من المحكم المنزل

قال: وأحسن أيضا، أحسن الله إليه، ثم ماذا؟ قال:

عسى فارج الهمّ عن يوسف *** يسخّر لي ربّة المحمل

قال: أمسك! أمسك! أفسد آخرا ما أصلح أوّلا! ألا ترى سفيان بن عيينة رحمه الله حسّن الحسن من قوله وقبّح القبيح ؟

وكره الغناء قوم على طريق الزهد في الدنيا ولذاتها، كما كره بعضهم الملاذّ ولبس العباءة، وكره الحوّاريّ ، وأكل الكشكار، وترك البرّ وأكل الشعير، لا على طريق التحريم، فإنّ ذلك وجه حسن ومذهب جميل؛ فإنما الحلال ما أحل الله والحرام ما حرّم الله. يقول الله تعالى وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ.

وقد يكون الرجل أيضا جاهلا بالغناء او متجاهلا به، فلا يأمر به ولا ينكره.

[للحسن البصري]

قال رجل للحسن البصري: ما تقول في الغناء يا أبا سعيد؟ قال: نعم العون الغناء على طاعة الله، يصل الرجل به رحمه، ويواسي به صديقه. قال الرجل: ليس عن هذا أسألك. قال: وعمّ سألتني؟ قال: أن يغني الرجل. قال: وكيف يغني؟ فجعل الرجل يلوي شدقيه وينفخ منخريه؛ قال الحسن: والله يابن أخي ما ظننت أنّ عاقلا يفعل هذا بنفسه أبدا! وإنّما أنكر عليه الحسن تشويه وجهه وتعويج فمه؛ وإن كان أنكر الغناء فإنما هو من طريق أهل العراق، وقد ذكرنا أنهم يكرهونه.

[لابن جريج وابن عبيد]

قال إسحاق بن عمارة: حدثني ابو المغلس عن أبي الحارث، قال: اختلف في الغناء عند محمد بن ابراهيم والي مكة، فأرسل إلى ابن جريح وإلى عمرو بن عبيد، فأتياه، فسألهما، فقال ابن جريج: لا بأس به، شهدت عطاء بن أبي رباح في ختان ولده وعنده ابن سريج المغني، فكان إذا غنى لم يقل له اسكت، وإذا سكت لم يقل له غنّ، وإذا لحن ردّ عليه. وقال عمرو بن عبيد: أليس الله يقول ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، فأيهما يكتب الغناء، الذي عن اليمين أو الذي عن الشمال؟ فقال ابن جريج: لا يكتبه واحد منهما؛ لانه لغو كحديث الناس فيما بينهم من أخبار جاهليتهم وتناشد أشعارهم.

[لابي يوسف]

قال اسحاق: وحدثني إبراهيم بن سعد الزمري قال: قال أبو يوسف القاضي: ما أعجب امركم يأهل المدينة في هذه الاغاني! ما منكم شريف ولا دنيء يتحاشى عنها! قال: فغضبت وقلت: قاتلكم الله يأهل العراق! ما أوضح جهلكم وأبعد من السداد رأيكم! متى رأيت أحدا سمع الغناء فظهر منه ما يظهر من سفهائكم هؤلاء الذين يشربون المسكر فيترك أحدهم صلاته، ويطلق امرأته، ويقذف «2» المحصنة من جاراته، ويكفر بربه؛ فأين هذا من هذا؟ من اختار شعرا جيدا ثم اختار جرما حسنا فردّده عليه فأطربه وأبهجه فعفا عن الجرائم، وأعطى الرغائب *** ؟ فقال أبو يوسف: قطعتني! ولم يحر جوابا.

[الرشيد والزهري]

قال إسحاق: وحدّثني ابراهيم بن سعد الزهري قال: قال لي الرشيد: من بالمدينة

ممن يحرّم الغناء؟ قال: قلت: من قنّعه الله بخزيه، قال: بلغني أنّ مالك بن أنس يحرّمه. قلت: يا أمير المؤمنين، أو لمالك أن يحرّم ويحلل؟ والله ما كان ذلك لابن عمّك محمد صلّى الله عليه وسلم إلا بوحي من ربه، فمن جعل هذا لمالك؟فشهادتي على أبي أنه سمع مالكا في عرس ابن حنظلة الغسيل يتغنى :

سليمى أزمعت بينا *** فأين بوصلها أينا

ولو سمعت مالكا يحرّمه ويدي تناله لا حسنت أدبه! قال: فتبسم الرشيد.

[ابن عمر وابن جعفر]

وعن أبي شعيب الحراني عن جعفر بن صالح بن كيسان عن أبيه، قال: كان عبد الله بن عمر يحب عبد الله بن جعفر، فغدا عليه يوما وعنده جارية في حجرها عود، فقال ابن عمر: ما ذاك يا أبا محمد ؟

قال: وما تظن به يا أبا عبد الرحمن؟ فإن أصاب ظنّك فلك الجارية.

قال: ما أراني إلا قد أخذتها، هذا ميزان رومي !

فضحك ابن جعفر وقال: صدقت، هذا ميزان يوزن به الكلام، والجارية لك؛ ثم قال: هات فغنّت:

أيا شوقا إلى البلد الامين *** وحي بين زمزم والحجون

ثم قال: هل ترى بأسا؟ قال: هل غير هذا؟ قال: لا. قال: فما أرى بذا بأسا.

[ابن عمر وابن محرز]

وسمع عبد الله بن عمر ابن محرز يغني:

لو بدّلت أعلى منازلها *** سفلا وأصبح سفلها يعلو

لعرفت مغناها بما احتملت *** مني الضلوع لأهلها قبل

فقال له عبد الله بن عمر: قل: إن شاء الله! قال: يفسد المعنى. قال: لا خير في معنى يفسده «إن شاء الله».

[عمر بن عبد العزيز ومغن]

حدث محمد بن زكريا الغلابي بالبصرة قال: حدثني ابن الشرفي عن الاصمعي قال سمع عمر بن عبد العزيز راكبا يغني في سفره :

فلولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى *** وجدّك لم أحفل متى قام عوّدي

فمنهنّ سبق العاذلات بشربة *** كميت متى ما تعل بالماء تزبد

وكرّي إذا نادى المضاف محنّبا *** كسيد الغضا في الطخية المتورّد

وتقصير يوم الدّجن والدّجن معجب *** ببهكنة تحت الطّراف الممدّد

فقال عمر بن عبد العزيز: وأنا لولا ثلاث لم أحفل متى قام عوّدي: لولا أن أنفر في السرية، وأقسم بالسوية، وأعدل في القضية !

[جرير والاسلمي العابد]

قال جرير المدني: مررت بالأسلمي العابد وهو في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصلي فسلمت عليه، فأومأ إليّ وأشار بالجلوس، فجلست، فلما سلم أخذ بيدي وأشار إلى حلقي، وقال: كيف هو؟ قلت: أحسن ما كان قط. قال: أما والله لوددت أنه خلا لي وجهك وأنك أسمعتني :

يا لقومي بحبلك المصروم *** يوم شطّوا وأنت غير ملوم

أصبح الرّبع من أمامة قفرا *** غير مغنى معازف ورسوم

قلت: إذا شئت، قال: في غير هذا الوقت إن شاء الله.

[ابن المبارك]

وحدث ابو عبد الله المروزي بمكة في المسجد الحرام، قال: حدثنا حسان وسويد صاحبا ابن المبارك، قالا: لما خرج ابن المبارك إلى الشام مرابطا خرجنا معه، فلما نظر إلى ما فيه القوم من التعبد والغزو والسرايا في كل يوم، التفت إلينا فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون على أعمار أفنيناها، وأيام وليال قد قطعناها في علم الشعر، وتركنا ههنا أبواب الجنة مفتوحة! قال: فبينما هو يمشي ونحن معه في أزقة المصيصة، إذا نحن بسكران قد رفع صوته يغني :

أذلني الهوى فأنا الذّليل *** وليس إلى الذي أهوى سبيل

فأخرج برنامجا من كمه، فكتب البيت؛ فقلنا له: أتكتب بيت شعر سمعته من سكران؟ قال: أما سمعتم المثل: ربّ جوهرة في مزبلة !

[الاوقص المخزومي]

قال: وولي الأوقص المخزومي قضاء مكة، فما رؤي مثله في العفاف والنبل، فبينما هو نائم ذات ليلة في علّية له، إذ مر به سكران يتغنى ويلحن في غنائه، فأشرف المخزومي عليه، فقال: يا هذا، شربت حراما، وأيقظت نياما، وغنيت خطأ: خذه عني ! فأصلحه عليه !

وقال الاوقص المخزومي: قالت لي أمي: أي بنيّ، إنّك خلقت في صورة لا تصلح معها لمجامعة الفتيان في بيوت القيان، فعليك بالدين، فإن الله يرفع به الخسيسة ويتمّ به النقيصة، فنفعني الله بقولها.

[الشعبي وبشر]

وحدث عباس بن المفضل قاضي المدينة، قال: حدثني الزبير بن بكار قاضي مكة عن مصعب بن عبد الله قال: دخل الشعبي على بشر بن مروان وهو والي العراق لاخيه عبد الملك بن مروان، وعنده جارية في حجرها عود؛ فلما دخل الشعبي امرها فوضعت العود، فقال له الشعبي: لا ينبغي للامير ان يستحي من عبده. قال: صدقتم :

ثم قال للجارية: هاتي ما عندك. فأخذت العود وغنت :

ومما شجاني أنها يوم ودّعت *** تولت وماء العين في الجفن حائر

فلما أعادت من بعيد بنظرة *** إليّ التفاتا أسلمته المحاجر

فقال الشعبي: الصغير أكيسهما. يريد الزير، ثم قال: يا هذه، أرخي من يمّك، وشدّي من زيرك «2» . فقال له بشر: وما علمك؟ قال : أظن العمل فيهما. قال :

صدقت، ومن لم ينفعه ظنّه لم ينفعه يقينه.

[قرشي ورجل يغني في المسجد]

وحدث عن أبي عبد الله البصري قال: غنّى رجل في المسجد الحرام وهو مستلق على قفاه صوتا، ورجل من قريش يصلي في جواره؛ فسمعه خدّام المسجد فقالوا: يا عدو الله، تغني في المسجد الحرام! ورفعوه إلى صاحب الشرطة، فتجوز القرشي في صلاته؛ ثم سلم واتبعه، فقال لصاحب الشرطة: كذبوا عليه أصلحك الله، إنّما كان يقرأ! فقال يا فساق، أتأتوني برجل قرأ القرآن تزعمون انه غنّى خلوا سبيله! فلما خلّوه قال له القرشي: والله لولا انك أحسنت وأجدت ما شهدت لك، اذهب راشدا.

[أبو حنيفة وجار له]

وكان لابي حنيفة جار من الكيالين مغرم بالشراب، وكان أبو حنيفة يحيي الليل بالقيام، ويحييه جاره الكيال بالشراب، ويغني على شرابه: أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا *** ليوم كريهة وسداد ثغر فأخذه العسس ليلة فوقع في الحبس، وفقد أبو حنيفة صوته واستوحش له؛ فقال لاهله: ما فعل جارنا الكيال؟ قالوا: أخذه العسس فهو في الحبس. فلما اصبح ابو حنيفة وضع الطويلة على رأسه، وخرج حتى أتى باب عيسى بن موسى، فاستأذن عليه، فأسرع في إذنه- وكان أبو حنيفة قليلا ما يأتي الملوك- فأقبل عليه عيسى بوجهه، وقال: أمر ما جاء بك أبا حنيفة! قال: نعم، أصلح الله الامير، جار لي من الكيالين، أخذه عسس الامير ليلة كذا، فوقع في حبسك. فأمر عيسى باطلاق كل من أخذ في تلك الليلة، إكراما لابي حنيفة؛ فأقبل الكيال على أبي حنيفة متشكرا له، فلما رآه أبو حنيفة قال: أضعناك يا فتى؟ يعرّض له بقصيدته؛ قال: لا والله، ولكنك بررت وحفظت.

[الدارمي وتاجر عراقي]

الاصمعي قال: قدم عراقي بعدل من خمر العراق الى المدينة، فباعها كلها إلا السود، فشكا ذلك الى الدارمي، وكان قد تنسك وترك الشعر ولزم المسجد فقال: ما تجعل لي على أن أحتال لك بحيلة حتى تبيعها كلّها على حكمك؟ قال: ما شئت ! قال: فعمد الدارمي إلى ثياب نسكه! فألقاها عنه وعاد إلى مثل شأنه الاول، وقال شعرا ورفعه إلى صديق له من المغنين، فغنى به وكان الشعر:

قل للمليحة في الخمار الاسود *** ماذا فعلت بزاهد متعبّد

قد كان شمّر للصلاة ثيابه *** حتى خطرت له بباب المسجد

ردّي عليه صلاته وصيامه *** لا تقتليه بحقّ دين محمد

فشاع هذا الغناء في المدينة: وقالوا: قد رجع الدارمي وتعشق صاحبة الخمار الاسود. فلم تبق مليحة بالمدينة الا اشترت خمارا اسود، وباع التاجر جميع ما كان معه؛ فجعل إخوان الدارمي من النساك يلقون الدارمي فيقولون: ماذا صنعت ؟

فيقول: ستعلمون نبأه بعد حين. فلما أنفذ العراقي ما كان معه، رجع الدارمي إلى نسكه ولبس ثيابه.

[عروة بن أذينة]

وحدث عبد الله بن مسلم بن قتيبة ببغداد، قال: حدثني سهل عن الأصمعي قال :

كان عروة بن أذينة يعدّ ثقة ثبتا في الحديث، روى عنه مالك بن أنس؛ وكان شاعرا لبقا في شعره غزلا، وكان يصوغ الألحان والغناء على شعره في حداثته وينحلها المغنين؛ فمن ذلك قوله، وغنى به الحجازيون:

يا ديار الحيّ بالأجمه *** لم يبيّن رسمها كلمه

وهو موضع صوته، ومنه قوله:

قالت وأبثثتها وجدي وبحت به *** قد كنت عندي تحت السّتر فاستتر

ألست تبصر من حولي فقلت لها *** غطّي هواك وما ألقي على بصري

قال: فوقفت عليه امرأة وحوله التلامذة، فقالت: أنت الذي يقال فيك الرجل الصالح، وأنت القائل:

إذا وجدت أوار الحبّ في كبدي *** عمدت نحو سقاء القوم أبترد

هبني بردت ببرد الماء ظاهره *** فمن لنار على الأحشاء تتقد

لا والله ما قال هذا رجل صالح قط!

[القس]

قال: وكان عبد الرحمن الملقب بالقس عند أهل مكة بمنزلة عطاء بن أبي رباح في العبادة، وإنه مر يوما بسلامة وهي تغني، فقام يستمع غناءها، فرآه مولاها فقال له :

هل لك أن تدخل فتسمع؟ فأبى، فلم يزل به حتى دخل، فقال له: أوقفك في موضع بحيث تراها ولا تراك. فغنّته فأعجبته، فقال له مولاها: هل لك في أن أحوّلها إليك؟ فأبى ذلك عليه، فلم يزل به حتى أجابه، فلم يزل يسمعها ويلاحظها النظر حتى شغف بها؛ ولما شعرت لحظه إيّاها غنته :

ربّ رسولين لنا بلّغا *** رسالة من قبل أن يبرحا

لم يعملا خفّا ولا حافرا *** ولا لسانا بالهوى مفصحا

حتى استقلا بجوابيهما *** بالطائر الميمون قد أنجحا

الطرف والطّرف بعثناهما *** فقضيا حاجا وما صرّحا

قال: فأغمي عليه وكاد أن يهلك؛ فقالت له يوما: والله إنّي أحبّك! قال لها: وأنا والله أحبّك! قالت: وأحب أن أضع فمي... قال: وأنا والله ... قالت: فما يمنعك من ذلك؟ قال: أخشى أن تكون صداقة ما بيني وبينك [اليوم] عداوة يوم القيامة؛ أما سمعت الله تعالى يقول: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ؟

ثم نهض وعاد إلى طريقه التي كان عليها، وأنشأ يقول :

قد كنت أعذل في السفاهة أهلها *** فأعجب لما تأتي به الأيام

فاليوم أعذرهم وأعلم أنما *** سبل الضلالة والهدى أقسام

وله فيه :

إن سلامة التي *** أفقدتني تجلّدي

لو تراها وعودها *** حين يبدو وتبتدي

للجريرين والغري *** ض وللقرم معبد

خلتهم بين عودها *** والدّساتين واليد

أخبار عبد اللّه بن جعفر

[هو ومعاوية]

حدث سعيد بن محمد العجلي بعمان، حدثني نصر بن علي عن الأصمعي، قال: كان معاوية يعيب على عبد الله بن جعفر سماع الغناء؛ فأقبل معاوية عاما من ذلك حاجا، فنزل المدينة، فمر ليلة بدار عبد الله بن جعفر فسمع عنده غناء على أوتار، فوقف ساعة يستمع، ثم مضى وهو يقول: أستغفر الله! أستغفر الله! فلما انصرف من آخر الليل مر بداره أيضا، فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال الحمد لله !

ير في المجلس غير عبد الله، فقال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس فلان. قال معاوية:

مره يرجع إلى مجلسه. ثم قال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس فلان. قال: مره يرجع إلى مجلسه *** حتى لم يبق إلا مجلس رجل، فقال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس رجل يداوي الآذان، يا أمير المؤمنين! قال له معاوية: فإنّ أذني عليلة، فمره فليرجع إلى موضعه. وكان موضع بديح المغني، فأمره ابن جعفر، فرجع إلى موضعه، فقال له معاوية: داو أذني من علّتها! فتناول العود ثم غنى:

أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلّم *** بحومانة الدرّاج فالمتثلم

فحرّك عبد الله بن جعفر رأسه، فقال معاوية: لم حرّكت رأسك يا بن جعفر؟

قال: أريحيّة أجدها يا أمير المؤمنين، لو لاقيت عندها لابليت، ولئن سئلت عندها لأعطيت! وكان معاوية قد خضب ، فقال ابن جعفر لبديح: هات غير هذا.

وكانت عند معاوية جارية أعزّ جواريه عنده، كانت متولية خضابه، فغناه بديح:

أليس عندك شكر للتي جعلت *** ما ابيض من قادمات الشعر كالحمم

وجدّدت منك ما قد كان أخلقه *** صرف الزمان وطول الدهر والقدم

فطرب معاوية طربا شديدا وجعل يحرك رجله، فقال ابن جعفر: يا أمير المؤمنين سألتني عن تحريك رأسي فأخبرتك، وأنا أسألك عن تحريك رجلك! فقال معاوية:

كلّ كريم طروب. ثم قام وقال: لا يبرح أحد منكم حتى يأتيه إذني. فبعث إلى ابن جعفر بعشرة آلاف دينار، ومائة ثوب من خاص ثيابه، وإلى كل رجل منهم بألف دينار وعشرة أثواب.

[هو ومغنية سمعها] وعن ابن الكلبي والهيثم بن عدي، قالا: بينا عبد الله بن جعفر في بعض أزقة المدينة، إذ سمع غناء، فأصغى إليه، فإذا بصوت شجيّ رقيق لقينة تغني:

قل للكرام ببابنا يلجوا *** ما في التصابي على الفتى حرج

فنزل عبد الله عن دابته، ودخل على القوم بلا إذن؛ فلما رأوه قاموا إليه إجلالا ورفعوا مجلسه؛ ثم أقبل عليه صاحب المنزل، فقال: يا بن عم رسول الله دخلت منزلنا بلا إذن، وما كنت لهذا بخليق! فقال عبد الله: لم أدخل إلا بإذن! قال: ومن أذن لك؟ قال: قينتك هذه؛ سمعتها تقول :

قل للكرام ببابنا يلجوا

فولجنا، فإن كنا كراما فقد أذن لنا، وإن كنا لئاما خرجنا مذمومين! فضحك صاحب المنزل، وقال صدقت جعلت فداك! ما أنت إلا من أكرم الأكرمين. ثم بعث عبد الله إلى جارية من جواريه، فقال لها: غني فغنت، فطرب القوم، وطرب عبد الله؛ فدعا بثياب وطيب فكسا القوم وصاحب المنزل وطيّبهم ووهب له الجارية، وقال له: هذه أحذق بالغناء من جاريتك.

أخبار بن أبي عتيق

[أخبار ابن أبي عتيق]

[هو وعائشة]

ذكر رجل من أهل المدينة أنّ ابن أبي عتيق- وهو عبد الله بن محد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق- دخل على عائشة أم المؤمنين- وهي عمته- فوضع رأسه في حجرها- أو على ركبتها- ثم رفع عقيرته يتغني:

ومقيّر حجل جررت برجله *** بعد الهدؤ له قوائم أربع

فاطرب زمان اللهو من زمن الصّبا *** وانزع إذا قالوا أبي لا ينزع

فليأتينّ عليك يوما مرّة *** يبكي عليك مقنّعا لا تسمع

قالت عائشة: يا بنيّ، فاتق ذلك اليوم.

القرشي فقال لصاحب الحكم: أصلحك الله، إنما كان يقرأ! فأطلق سبيله، فقال له القرشي: والله لولا أنك أحسنت في غنائك وأقمت دارات معبد لكنت عليك أشدّ من الأعوان.

دارات معبد:

والصوت المنسوب إلى دارات معبد، قول أعشى بكر:

هريرة ودّعها وإن لام لائم *** غداة غد أم أنت للبين واجم

ويروى أن معبدا دخل على قتيبة بن مسلم والي خراسان وقد فتح خمس مدائن فجعل يفخر بها عند جلسائه؛ فقال له معبد: والله لقد صغت بعدك خمسة أصوات، إنها لأكثر من الخمس المدائن التي فتحت! والأصوات:

الأول:

ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل *** وهل تطيق وداعا أيها الرجل

والثاني:

هريرة ودّعها وإن لام لائم *** غداة غد أم أنت للبين واجم

والثالث:

ودّع لبابة قبل أن تترحّلا *** واسبل فإنّ سبيله أن تسبلا

والرّابع:

لعمري لئن شطت بغنمة دارها *** لقد كدت من وشك الفراق أبيح

والخامس:

تغذّ بي الشّهباء نحو ابن جعفر *** سواء عليها ليلها ونهارها

أصل الغناء ومعدنه

[أصل الغناء ومعدنه]

قال أبو المنذر بن هشام بن الكلبي: الغناء على ثلاثة أوجه: النصب، والسناد، والهزج؛ فأما النصب فغناء الركبان والقينات؛ وأما السناد فالثقيل الترجيع الكثير النغمات، وأما الهزج فالخفيف كله، وهو الذي يثير القلوب ويهيج الحليم.

وإنما كان أصل الغناء ومعدنه في أمهات القرى من بلاد العرب ظاهرا فاشيا وهي: المدينة، والطائف، وخيبر، ووادي القرى، ودومة الجندل، واليمامة؛ وهذه القرى مجامع أسواق العرب.

[صانع العود]

وقيل إنّ أوّل من صنع العود: لامك بن قابيل بن آدم، وبكى به على ولده.

ويقال إنّ صانعه بطلميوس صاحب المويسيقي، وهو كتاب اللحون الثمانية.

[أول من غنى]

: وكان أول من غنى في العرب قينتان لعاد يقال لهما الجرادتان، ومن غنائهما.

ألا يا قيل ويحك قم فهينم *** لعلّ الله يصبحنا غماما

وإنما غنّتا بهذا اللحن حين حبس عنهما المطر؛ وكانت العرب تسمى القينة: الكرينة، والعود: الكران؛ والمزهر أيضا هو العود، وهو البربط.

وكان أول من غنى في الإسلام الغناء الرقيق: طويس، وهو علّم ابن سريج، والدلال، ونئومة الضحى؛ وكان يكنى أبا عبد النعيم، ومن غنائه وهو أول صوت غنى به في الإسلام:

قد براني الشوق حتى *** كدت من شوقي أذوب

أخبار المغنين

أولهم: طويس، وكان في أيام عثمان رضي الله عنه.

[طويس وأبان] : حدّثنا جعفر بن محمد قال: لما ولى أبان بن عثمان بن عفان المدينة لمعاوية بن أبي سفيان، قعد في بهو له عظيم، واصطف له الناس، فجاء طويس المغني وقد خضب «1» يديه غمسا، واشتمل على دف له، وعليه ملاءة مصقولة؛ فسلّم ثم قال: بأبي وأمي يا أبان، الحمد لله الذي أرانيك أميرا على المدينة؛ إني نذرت لله فيك نذرا إن رأيتك أن أخضب يدي غمسا وأشتمل على دفي وآتي مجلس إمارتك وأغنيك صوتا! قال :

فقال: يا طويس، ليس هذا موضع ذاك. قال: بأبي أنت وأمي يا بن الطيّب أبحني.

قال: هات يا طويس. فحسر عن ذراعيه وألقى رداءه ومشى بين السماطين «2» وغنى:

ما بال أهلك يا رباب *** خزرا كأنهم غضاب

قال: فصفق أبان بيديه، ثم قام عن مجلسه فاحتضنه وقبّل بين عينيه، وقال:

يلومونني على طويس! ثم قال له: من أسنّ، أنا أو أنت؟ قال: وعيشك لقد شهدت زفاف أمّك المباركة إلى أبيك الطيب! انظر إلى حذقه ورقة أدبه، كيف لم يقل: أمك الطيبة إلى أبيك المبارك.

[هو وبكر وسعيد]

: وعن الكلبي قال: خرج عمر بن عبد العزيز إلى الحج وهو والي المدينة، وخرج الناس معه؛ وكان فيمن خرج: بكر بن إسماعيل الأنصاري، وسعيد بن عبد الرحمن ابن حسان بن ثابت؛ فلما انصرفا راجعين مرّا بطويس المغني، فدعاهما إلى النزول عنده؛ فقال بكر بن إسماعيل: قد البعير إلى منزلك. فقال له سعيد بن عبد الرحمن:

أتنزل على هذا المخنّث؟ فقال: إنما هو منزل ساعة ثم نذهب. واحتمل طويس الكلام عن سعيد، فأتيا منزله، فإذا هو قد نظفه ونجّده، فأتاهما بفاكهة الشام

فوضعها بين أيديهما، فقال له بكر بن إسماعيل، ما بقي منك يا طويس؟ قال: بقي كلّي يا أبا عمرو! قال: أفلا تسمعنا من بقاياك؟ قال: نعم. ثم دخل خيمته؛ فأخرج خريطة، وأخرج منها دبّا، ثم نقر وغنّى:

يا خليلي نابني سهدي *** لم تنم عيني ولم تكد

كيف تلحوني على رجل *** مؤنس تلتذّه كبدي

مثل ضوء البدر صورته *** ليس بالزّمّيلة النكد

من بني آل المغيرة لا *** خامل نكس ولا جحد

نظرت عيني فلا نظرت *** بعده عين إلى أحد

ثم ضرب بالدف الأرض والتفت إلى سعيد بن عبد الرحمن فقال: يا أبا عثمان، أتدري من قائل هذا الشعر؟ قال: لا. قال: قالته خولة ابنة ثابت عمتك، في عمارة ابن الوليد بن المغيرة! ونهض، فقال له بكر: لو لم تقل ما قلته لم يسمعك ما أسمعك.

وبلغت القصة عمر بن عبد العزيز، فأرسل إليهما فسألهما، فأخبراه؛ فقال: واحدة بأخرى والبادي أظلم.

[هو والنعمان بن بشير]

الأصمعي قال: حدّثني رجل من أهل المدينة، قال: كان طويس يتغنى في عرس رجل من الأنصار، فدخل النعمان بن بشير العرس، وطويس يتغنى:

أجدّ بعمرة عتبانها *** فتهجر أم شأننا شانها

وعمرة من سروات النسا *** ء تنفح بالمسك أردانها فقيل له: اسكت! اسكت لأنّ عمرة أمّ النعمان بن بشير؛ فقال النعمان: إنه لم يقل بأسا، إنما قال:

وعمرة بن سروات النسا *** ء تنفح بالمسك أردانها

[هو وابن شريج والدلال ونومة الضحى]

وكان مع طويس بالمدينة، ابن سريج، والدلال، ونومة الضحى؛ ومنه تعلّموا، ثم نجم بعد هؤلاء: سلم الخاسر، وكان في صحبة عبد الله بن عبد الله بن جعفر، وعنه أخذ معبد الغناء، ثم كان ابن أبي السمح الطائي، وكان يتيما في حجر عبد الله بن جعفر، وأخذ الغناء عن معبد، وكان لا يضرب بعود، وإنما يغني مرتجلا، فإذا غنى لمعبد صوتا حققه، ويقول: قال الشاعر فلان، مططه معبد، وخففته أنا. ومن غنائه.

نام صحبي ولم أنم *** لخيال بنا ألمّ

إنّ في القصر غادة *** كحلت مقلتي بدم

[معبد والغريض] وكان معبد والغريض بمكة، ولمعبد أكثر الصناعة الثقيلة.

ولما قدمت سكينة ابنة الحسين عليهما السلام مكة أتاها الغريض ومعبد فغنياها:

عوجي علينا ربّه الهودج *** إنك إلا تفعلي تحرجي

قالت: والله ما لكما مثل إلّا الجدي الحارّ والبارد، لا ندري أيهما أطيب.

[الغريض وختان]

قال إسحاق بن إبراهيم: شهد الغريض ختانا لبعض أهله، فقال له بعض القوم :

غنّ. فقال: هو ابن الزانية إن غنّى! قال له مولاه: فأنت والله ابن الزانية، فغنّ.

قال: أكذلك أنا عندك؟ قال: نعم. قال: أنت أعلم. فغن:

وما أنس م الأشياء لا أنس شادنا *** بمكة مكحولا أسيلا مدامعه

تشرّب لون الرازقيّ بياضه *** أو الزعفران خالط المسك رادعه

فلوت الجنّ عنقه فمات. وقال غير إسحاق: بل غنى:

أمن مكتومة الطّلل *** يلوح كأنه خلل

لقد نزلوا قريبا من *** ك لو نفعوك إذ نزلوا

تحاولني لتقتلني *** وليس بعينها حول

ثم نجم ابن طنبورة، وأصله من اليمن، وكان أهزج الناس وأخفهم غناء؛ ومن غنائه:

وفتيان على شرف جميعا *** دلفت لهم بباطية هدور

كأني لم أصد فيهم ببازي *** ولم أطعم بعرصتهم صقوري

فلا تشرب بلا لهو فإنّي *** رأيت الخيل تشرب بالصّفير

[ابن طنبورة في مجلس شريف]

ويقال: إنه حضر مجلسا لرجل من الأشراف، إلى أن دخل عليهم صاحب المدينة، فقيل له: غنّ. فغنى:

ويلي من الحييّيه *** ويل ليه! ويل ليه

قد عشّش الحيّة في *** بييتيه بييتيه

فضحك صاحب المنزل ووصله.

ومنهم: حكم الوادي، وكان في صحبة الوليد بن يزيد ويغنى بشعره، ومن غنائه:

خفّ من دار جيرتي *** يا بن داود أنسها

قد دنا الصبح أو بدا *** وهي لم يقض لبسها

فمتى تخرج العرو *** س لقد طال حبسها

خرجت بين نسوة *** أكرم الجنس جنسها

[الغزيل]

وكان بالشام أيام الوليد بن يزيد، مغنّ يقال له الغزيّل ويكنى أبا كامل، وفيه يقول الوليد بن يزيد: من مبلغ عنّي أبا كامل *** أني إذا ما غاب كالهابل

ومن غنائه:

امدح الكأس ومن أعملها *** واهج قوما قتلونا بالعطش

إنما الكأس ربيع باكر *** فإذا ما لم نذقها لم نعش

[مغنو الرشيد وزامره]

وكان لهارون الرشيد جماعة من المغنين، ومنهم ابراهيم الموصلي وابن جامع السهمي، ومخارق؛ وطبقة اخرى دونهم، منهم زلزل، وعمرو الغزال، وعلّوية. وكان له زامر يقال له برصوما. وكان ابراهيم أشدّهم تصرفا في الغناء، وابن جامع احلالهم نغمة.

[لرشيد وبرصوما]

فقال الرشيد يوما لبرصوما: ما تقول في ابن جامع؟ فقال: يا أمير المؤمنين، وما أقول في العسل الذي من حيثما ذقته فهو طيب؟ قال: فإبراهيم الموصلي؟ قال: هو بستان فيه جميع الثمار والرياحين. قال: فعمرو الغزال؟ قال: هو حسن الوجه يا امير المؤمنين.

[ليوسف في المغنين]

قال إسحاق: قلت ليوسف: من أحسن الناس غناء؟ قال: ابن محرز، قلت:

وكيف ذلك؟ قال: إن شئت أجملت وإن فصلت. قلت: أجمل. قال: كان يغني كلّ إنسان بما يشتهي، كأنه خلق من قلب كل إنسان.

وكان إبراهيم اول من وقع الإقاع بالقضيب.

[المغنون في بيت ابراهيم]

وحدث يحيى بن محمد قال: بينا نحن على باب الرشيد ننتظر الإذن، اذ خرج الآذن فقال لنا: أمير المؤمنين يقرئكم السلام! قال: فانصرفنا، فقال لنا إبراهيم:

تصيرون إلى منزلي! قال: فانصرفنا معه، قال: فدخلت دارا لم أر اشرف منها ولا أوسع، وإذا أنا بأفرشة خز مظهرة بالسنجاب، قال: فقعدنا، ثم دعا بقدح كبير فيه نبيذ، وقال:

اسقني بالكبير، إني كبير *** إنما يشرب الصغير صغير

ثم قال:

اسقني قهوة بكوب كبير *** ودع المأكلة للحمير

ثم شرب به، وأمر به فملىء وقال لنا: إن الخيل لا تشرب إلا بالصفير! ثم أمر بجوار فأحطن بالدار، فما شبهت أصواتهن إلا بأصوات طير في أجمة يتجاوبن.

[المأمون وإسحاق الموصلي]

وقال إسحاق بن ابراهيم الموصلي: لما أفضت الخلافة إلى المأمون، أقام عشرين شهرا لم يسمع حرفا من الغناء، ثم كان أول من تغنى بحضرته أبو عيسى، ثم واظب على السماع، وسأل عني فجرّحني عنده بعض من حسدني فقال: ذلك رجل يتيه على الخلافة! فقال المأمون: ما أبقى هذا من التيه شيئا. وأمسك عن ذكري، وجفاني كلّ من كان يصلني، لما ظهر من سوء رأيه، فأضرّ ذلك بي، حتى جاءني يوما علّوية، فقال لي: أتأذن لى اليوم في ذكرك، فإنّي اليوم عنده؟ فقلت: لا، ولكن غنّه بهذا الشعر، فإنه سيبعثه على أن يسألك من أين هذا؟ فينفتح لك ما تريد، ويكون الجواب أسهل عليك من الابتداء. فمضى علوية؛ فلما استقر به المجلس غناه الشعر الذي أمرته به، وهو:

يا مشرع الماء قد سدّت مسالكه *** أما إليك سبيل غير مسدود

لحائم حار حتى لا حياة له *** مشرّد عن طريق الماء مطرود

فلما سمعه المأمون قال: ويلك! لمن هذا؟ قال: يا سيدي، لعبد من عبيدك جفوته واطرحته! قال: إسحاق! قلت: نعم. قال: ليحضر الساعة. قال إسحاق: فجاءني الرسول، فسرت إليه؛ فلما دخلت قال: ادن. فدنوت؛ فرفع يديه مادّهما؛ فاتكأت عليه؛ فاحتضنني بيديه؛ وأظهر من اكرامي وبرّي ما لو اظهره صديق لي مواس لسرّني.

[الرشيد وعبثر]

قال: وحدثني يوسف بن عمر المدني قال: حدثني الحارث بن عبيد الله قال:

سمعت إسحاق الموصلي يقول: حضر مسامرة الرشيد ليلة عبثر المغني، وكان فصيحا متأدبا، وكان مع ذلك يغني الشّعر بصوت حسن، فتذاكروا رقة شعر المدنيين، فأنشد بعض جلسائه أبياتا لابن الدمينة حيث يقول:

وأذكر أيام الحمى ثم أنثني *** على كبدي من خشية أن تصدّعا

وليست عشيات الحمى برواجع *** عليك ولكن خلّ عينيك تدمعا

بكت عيني اليمنى فلما زجرتها *** عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا

فأعجب الرشيد برقة الابيات، فقال له عبثر: يا أمير المؤمنين؛ إن هذا الشعر مدني رقيق، قد غذي بماء العقيق، حتى رق وصفا، فصار أصفى من الهواء، ولكن إن شاء أمير المؤمنين أنشدته ما هو أرق من هذا وأحلى، وأصلب وأقوى، لرجل من أهل البادية. قال: فإني أشاء. قال: وأترنم به يا أمير المؤمنين قال: وذلك لك. فغنى لجرير:

إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا *** وشلا بعينك لا يزال معينا

غيّضن من عبراتهنّ وقلن لي *** ماذا لقيت من الهوى ولقينا

راحوا العشيّة روحة مذكورة *** إن حرن حرنا أو هدين هدينا

فرموا بهنّ سواهما عرض الفلا *** إن متن متنا أو حيين حيينا

قال: صدقت يا عبثرة! وخلع عليه واجازه.

[زرياب]

وكان لابراهيم الموصلي عبد أسود يقال له زرياب، وكان مطبوعا على الغناء علمه ابراهيم؛ وكان ربما حضر به مجلس الرشيد يغني فيه، ثم إنه انتقل إلى القيروان، إلى بني الاغلب، فدخل على زيادة الله بن الاغلب، فغناه بأبيات عنترة الفوارس، حيث يقول:

فان تك أمّي غرابية *** من أبناء حام بها عبتني

فإني لطيف ببيض الظّبا *** وسمر العوالي إذا جئتني

ولولا فرارك يوم الوغى *** لقدتك في الحرب أوقدتني

فغضب زيادة الله، فأمر بصفع قفاه واخراجه، وقال له: إن وجدت في شيء من بلدي بعد ثلاثة ايام ضربت عنقك! فجاز البحر إلى الاندلس، فكان عند الامير عبد الرحمن بن الحكم.

[قند]

وكان في المدينة في الصدر الاول مغنّ يقال له قند، وهو مولى سعد بن أبي وقاص، وكانت عائشة ام المؤمنين رضي الله عنها تستظرفه، فضربه سعد، فحلفت عائشة لا تكلمه حتى يرضى عنه قند، فدخل عليه سعد وهو وجع من ضربه، فاسترضاه، فرضي عنه، وكلمته عائشة.

[هو ومروان بن الحكم]

وكان معاوية يعقب بين مروان بن الحكم وسعيد بن العاص على المدينة: يستعمل هذا سنة وهذا سنة؛ وكانت في مروان شدة وغلظة، وفي سعيد لين عريكة وحلم وصفح؛ فلقي مروان بن الحكم قندا المغني، وهو معزول عن المدينة وبيده عكازة؛ فلما رآه قال:

قل لقند يشيّع الاظعانا *** ربّما سرّ عيننا وكفانا

قال له قند: لا إله إلا الله، ما اسمجك واليا ومعزولا.

[ابن عائشة والحسن]

وروي ابن الكلبي عن أبيه قال: كان ابن عائشة من احسن الناس غناء، وأنبههم فيه، وأضيقهم خلقا، إذا قيل له غنّ، يقول: أو لمثلي يقال هذا؟ عليّ عتق رقبة إن غنيت يومي هذا! فإن غنى وقيل له احسنت، قال: لمثلي يقال أحسنت؟ عليّ عتق رقبة إن غنيت سائر يومي هذا. فلما كان في بعض الايام سال وادي العقيق، فجاء بالعجب، فلم يبق بالمدينة مخبّأة ولا شابة ولا شاب ولا كهل إلا خرج يبصره، وكان فيمن خرج ابن عائشة المغني، وهو معتجر «1» بفضل ردائه؛ فنظر إليه الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب عليهم السلام- وكان فيمن خرج إلى العقيق- وبين يديه أسودان كأنهما ساريتان «2» يمشيان بين يديه أمام دابته؛ فقال لهما: أنتما حرّان لوجه الله إن تفعلا ما آمركما به ولم أقطعكما إربا إربا؛ اذهبا إلى ذلك الرجل المعتجر بفضل ردائه، فخذا بضبعيه «3» فإن فعل ما آمره به وإلا فاقذفا به في العقيق! قال: فمضيا والحسن يقفوهما، فلم يشعر ابن عائشة إلا وهما آخذان بضبعيه؛ فقال: من هذا؟ فقال له الحسن: أنا هذا يا بن عائشة! قال: لبيك وسعديك، وبأبي أنت وأمي! قال: اسمع مني ما أقول، واعلم انك مأسور في أيديهما وهما حرّان [وقد أقسمت] إن لم تغنّ مائة صوت أن يطرحاك في العقيق وهما حرّان، وإن لم يفعلا ذلك لأقطعنّ أيديهما! فصاح ابن عائشة: واويلاه! وأعظم مصيبتاه! قال دع من صياحك وخذ فيما ينفعنا.

قال: اقترح وأقم من يحصي! وأقبل يغني، فترك الناس العقيق وأقبلوا عليه، فلما تمت أصواته مائة، كبّر الناس بلسان واحد تكبيرة واحدة ارتجت لها أقطار المدينة، وقالوا للحسن: صلّى الله على جدّك حيا وميتا؛ فما اجتمع لاهل المدينة؛ وقالوا للحسن:

صلى الله على جدّك حيا وميتا؛ فما اجتمع لاهل المدينة سرور قط إلا بكم أهل البيت! فقال الحسن إنما فعلت هذا بك يابن عائشة لاخلاقك الشّكسة! قال له ابن عائشة: والله ما مرت عليّ مصيبة أعظم منها، لقد بلغت اطراف أعضائي. فكان بعد ذلك إذا قيل له: ما أشدّ ما مر عليك؟ قال: يوم العقيق.

[ابن المهدي]

وكان ابراهيم بن المهدي- وهو الذي يقال له ابن شكلة- داهيا عاقلا عالما بأيام الناس شاعرا مفلقا، وكان يصوغ فيجيد.

[مخالفته على المأمون]

ويروى عن ابراهيم انه قد كان خالف على المأمون ودعا إلى نفسه، فظفر به المأمون فعفا عنه، وقال: لما ظفر به المأمون:

ذهبت من الدّنيا كما ذهبت مني *** هوى الدهر بي عنها وأهوى بها عني

فإن أبك نفسي أبك نفسا عزيزة *** وإن أحتبسها أحتبسها على ضنّ

[هو والمأمون]

فلما فتحت له أبواب الرضا من المأمون، غنى بهما بين يديه؛ فقال له المأمون:

أحسنت والله يا أمير المؤمنين! فقام ابراهيم رهبة من ذلك، وقال: قتلتني والله يا امير المؤمنين! لا والله إن جلست حتى تسمّيني باسمي. قال: اجلس يا ابراهيم. فكان بعد ذلك آثر الناس عند المأمون: ينادمه ويسامره ويغنّيه.

[قصة يرويها للمأمون]

فحدثه يوما فقال: بينا انا مع أبيك يا أمير المؤمنين بطريقة مكة، إذ تخلفت عن الرفقة وانفردت وحدي، وعطشت وجعلت اطلب الرفقة، فأتيت إلى بئر، فإذا حبشي نائم عندها، فقلت له: يا نائم، قم فاسقني! فقال: إن كنت عطشان فانزل واستق لنفسك. فخطر صوت ببالي، فترنمت به وهو:

كفّناني إن متّ في درع أروى *** واسقياني من بئر عروة ماء

فلما سمع قام نشيطا مسرورا، وقال: والله هذه بئر عروة، وهذا قبره! فعجبت يا امير المؤمنين لما خطر ببالي في ذلك الموضع، ثم قال: أسقيك على أن تغنّيني؟ قلت: نعم، فلم أزل أغنيه وهو يجبذ الحبل، حتى سقاني وأروى دابّتي، ثم قال: أدلك على موضع العسكر على أن تغنّيني؟ قلت: نعم. فلم يزل يعدو بين يدي وأنا اغنيه حتى أشرفنا على العسكر، فانصرف؛ وأتيت الرشيد فحدثته بذلك، فضحك. ثم رجعنا من حجّنا، فإذا هو قد تلقاني وأنا عديل الرشيد، فلما رآني قال: مغنّ والله! قيل له: أتقول هذا لاخي أمير المؤمنين؟ قال اي لعمر الله، لقد غناني! وأهدى إليّ أقطا وتمرا، فأمرت له بصلة وكسوة، وأمر له الرشيد بكسوة أيضا. فضحك المأمون، وقال: غنّي الصوت. فغنيته فافتتن به، فكان لا يقترح عليّ غيره.

وكان مخارق وعلّوية قد حرّفا القديم كله وصيّرا فيه نغما فارسية؛ فإذا أتاهما الحجازي بالغناء الاول الثقيل، قالا: يحتاج غناؤك إلى فصاده! واسم علوية: يوسف مولى لبني امية.

وكان زلزل أضرب الناس للوتر، لم يكن قبله ولا بعده مثله، ولم يكن يغني، وإنما كان يضرب على ابراهيم وابن جامع وبرصوما. ومن غنائه في المأمون:

ألا إنما المأمون للناس عصمة *** مميّزة بين الضلالة والرّشد

رأى الله عبد الله خير عباده *** فملّكه، والله أعلم بالعبد

[القيني وبعض المغنين على باب يزيد]

حدث سعيد بن محمد العجلي عن الاصمعي قال: كان أبو الطمحان القيني، وهو حنظلة بن الشرقي شاعرا مجيدا، وكان مع ذلك فاسقا، وكان قد انتجع يزيد بن عبد الملك، فطلب الإذن عليه أياما فلم يصل، فقال لبعض المغنين: ألا أعطيك بيتين من شعري تغني بهما أمير المؤمنين، فإن سألك من قائلهما فأخبره أني بالباب، وما رزقني الله منه فهو بيني وبينك! قال: هات. فأعطاه هذين البيتين:

يكاد الغمام الغرّ يرعد إن رأى *** محيّا ابن مروان وينهل بارقه

يظلّ فتيت المسك في رونق الضّحى *** تسيل به أصداغه ومفارقه

قال: فغني بهما في وقت أريحيّته، فطرب لهما طربا شديدا، وقال: لله در قائلهما! من هو؟ قال: ابو الطمحان القيني، وهو بالباب يا أمير المؤمنين. قال: وما قصة الدير؟ قال: قيل لابي الطمحان: ما أيسر ذنوبك؟ قال ليلة الدير! قيل له: وما ليلة الدير؟ قال: نزلت ذات ليلة بدير نصرانية، فأكلت عندها طفيشلا «2» بلحم خنزير، وشربت من خمرها، وزنيت بها، وسرقت كساءها، ومضيت؛ فضحك يزيد وأمر له بألفي درهم، وقال: لا يدخل علينا! فأخذها أبو الطمحان وانسلّ بها، وخيّب المغنّي.

[المسدود وزنين ودبيس]

أبو جعفر البغدادي قال: حدثني عبد الله بن محمد كاتب بغا عن أبي عكرمة قال:

خرجت يوما إلى المسجد الجامع ومعي قرطاس لا كتب فيه بعض ما استفيده من العلماء، فمررت بباب أبي عيسى بن المتوكل فإذا ببابه المسدود، وكان من احذق الناس بالغناء، فقال: أين تريد يا أبا عكرمة؟ قلت إلى المسجد الجامع، لعلي أستفيد فيه حكمة أكتبها. فقال: أدخل بنا على أبي عيسى. قال: فقلت: مثل أبي عيسى في قدره وجلالته يدخل عليه بغير إذن! قال: فقال للحاجب: اعلم الامير بمكان أبي عكرمة. قال: فما لبث إلا ساعة حتى خرج الغلمان يحملوني حملا؛ فدخلت إلى دار لا والله ما رأيت احسن منها بناء، ولا اظرف فرشا، ولا صباحة وجوه؛ فحين دخلنا نظرت إلى أبي عيسى، فلما أبصرني قال لي: ما يعيش من يحتشم! اجلس، فجلست، فقال: ما هذا القرطاس بيدك؟ قلت: يا سيدي حملته لاستفيد فيه شيئا، وأرجو أن أدرك حاجتي في هذا المجلس. فمكثنا حينا، ثم أتينا بطعام ما رأيت أكثر منه ولا احسن، فأكلنا؛ وحانت مني التفاتة، فإذا أنا بزنين ودبيس؛ وهما من أحذق الناس بالغناء، قال: فقلت: هذا مجلس قد جمع الله فيه كلّ شيء مليح. قال: ورفع الطعام وجيء بالشراب؛ وقامت جارية تسقينا شرابا ما رأيت أحسن منه، في كل كأس لا أقدر على وصفها؛ فقلت: أعزك الله، ما أشبه بقول ابراهيم بن المهدي يصف جارية بيدها خمر:

حمراء صافية في جوف صافية *** يسعى بها نحونا خود من الحور

حسناء تحمل حسناوين في يدها *** صاف من الرّاح في صافي القوارير

وقد جلس المسدود وزنين ودبيس، ولم يكن في ذلك الزمان أحذق من هؤلاء الثلاثة بالغناء؛ فابتدأ المسدود فغنّى:

لما استقلّ بأرداف تجاذبه *** واخضرّ فوق حجاب الدرّ شاربه

قلق لم يزل وصبر يزول *** ورضا لم يطل وسخط يطول

لم تسل دمعتي عليّ من الرّحمة حتى رأيت نفسي تسيل

جال في جسمي السّقام فجسمي *** مدنف ليس فيه روح تجول

ينقضي للقتيل حول فينسى *** وأنا فيك كلّ يوم قتيل

ثم سكت وغنى زنين:

ليس إلى تركك من حيلة *** ولا إلى الصبر لقلبي سبيل

فكيفما شئت فكن سيدي *** فإنّ وجدي بك وجد طويل

إن كنت أزمعت على هجرنا *** فحسبنا الله ونعم الوكيل

قال أبو عكرمة: فأقبل أبو عيسى على المسدود فقال له غنّ صوتا. فغنى:

يا لجّة الدمع هل للدّمع مرجوع *** أم الكرى من جفون العين ممنوع

ما حيلتي وفؤادي هائم أبدا *** بعقرب الصّدغ من مولاى ملسوع

لا والذي تلفت نفسي بفرقته *** فالقلب من حرّق الهجران مصدوع

ما أرّق العين إلا حبّ مبتدع *** ثوب الجمال على خدّيه مخلوع

قال أبو عكرمة: فو الله الذي لا إله إلا هو، لقد حضرت من المجالس ما لا أحصي، فما رأيت مثل ذلك اليوم. ثم إن أبا عيسى أمر لكل واحد بجائزة وانصرفنا، ولولا أن أبا عيسى قطعهم ما انقطعوا.

من سمع صوتا فوافقه معناه فاستخفه الطرب

حكي عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن أبيه قال: دخلت على هارون الرشيد فلما رأيته قد أخذ في حديث الجواري وغلبتهنّ على الرجال، غنيته بأبيات التي يقول فيها:

ملك الثّلاث الآنسات عناني *** وحللن من قلبي بكلّ مكان

مالي تطاوعني البريّة كلّها *** وأطيعهنّ وهنّ في عصياني

ما ذاك إلا أنّ سلطان الهوى *** وبه قوين أعزّ من سلطاني

فارتاح وطرب، وأمر لي بعشرة آلاف درهم.

[الموصلي والأمين]

وغنى إبراهيم الموصلي محمد بن زبيدة الأمين بقول الحسن بن هانيء فيه:

رشأ لولا ملاحته *** خلت الدّنيا من الفتن

كلّ يوم يسترقّ له *** حسنه عبدا بلا ثمن

يا أمين الله عش أبدا *** دم على الأيام والزمن

أنت تبقى والفناء لنا *** فإذا أفنيتنا فكن

سنّ للناس القرى فقروا *** فكأنّ البخل لم يكن

قال: فاستخفه الطرب حتى قام من مجلسه وأكبّ على إبراهيم يقبّل رأسه؛ فقام إبراهيم من مجلسه يقبل أسفل رجليه وما وطئتنا من البساط؛ فأمر له بثلاثة آلاف درهم؛ فقال إبراهيم: يا سيدي، قد أجزتني إلى هذه الغاية بعشرين ألف ألف درهم! فقال الأمين: وهل ذلك إلا خراج بعض الكور؟

[جرير والشعراء]

الرياشي عن الأصمعي؛ قال: قدم جرير المدينة، فأتاه الشعراء وغيرهم، وأتاه أشعب فيهم، فسلموا عليه وحادثوه ساعة وخرجوا، وبقي أشعب. فقال له جرير:

أراك قبيحا، وأراك لئيم الحسب؛ ففيم قعودك وقد خرج الناس؟ فقال له: أصلحك الله، إنّه لم يدخل عليك اليوم أحد أنفع لك مني! قال: وكيف ذلك؟ قال: لأني آخذ رقيق شعرك فأزيّنه بحسن صوتي. فقال له جرير: فقل. فاندفع يغنيه:

يا أخت ناجية السّلام عليكم *** قبل الرحيل وقبل لوم العذّل

لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكم *** يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل

قال: فاستخف جرير الطرب لغنائه بشعره، حتى زحف إليه واعتنقه وقبّل بين عينيه، وسأله عن حوائجه فقضاها له.

[المسور وامرأ]

الزبير بن بكار قال: كان المسور بن مخرمة ذا مال كثير، فأسرع فيه على إخوانه، فذهب فسأل امرأته- وكانت موسرة- فمنعته وبخلت عليه؛ فخرج يريد بعض خلفاء بني أمية منتجعا، فلما كان ببعض الطريق نزل ماء يقال له بلا كث، فقال له غلامه: كيف يقال لهذا الماء؟ قال: يقال له بلا كث، فقال [مغنّيا] :

بينما نحن من بلا كث بالقا *** ع سراعا والعيس تهوي هويّا

خطرت خطرة على القلب من ذكر *** راك وهنا فما استطعت مضيّا

قلت لبّيك إذ دعاني لك الشّو *** ق، وللحاديين كرّا المطيّا

فقال: هن بدن إن لم تكرها رواجع. قال له: قد أشرفن على أمير المؤمنين قال: هن بدن إن لم تكرها رواجع! فانصرف، ودخل المصلى ليلا، فوجد رجال قريش حلقا يتحدثون، فقالوا له: زاد خير! فقال: زاد خير. حتى انتهى إلى داره، فقالت له امرأته: زاد خير! فأنشدها الأبيات، قالت: كل ما أملك في سبيل الله، إن لم أشاطرك مالي! فشاطرته مالها.

[عمر الوادي]

وروى أبو العباس قال: حدثت أن عمر الوادي قال: أقبلت من مكة أريد المدينة، فجعلت أسير في صمد «1» من الأرض، فسمعت غناء من الهواء لم أسمع مثله فقلت: والله لأتوصّلنّ إليه. فإذا هو عبد أسود، فقلت له: أعد ما سمعت. فقال:

والله لو كان عندي قرى أقريك ما فعلت، ولكن أجعله قراك؛ فإني والله ربما غنيت بهذا الصوت وأنا جائع فأشبع، وربما غنيته وأنا كسلان فأنشط وربما غنيته وأنا عطشان فأروى! ثم ابتدأ فغنى:

وكنت متى ما زرت سعدى بأرضها *** أرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها

من الخفرات البيض ودّ جليسها *** إذا ما انقضت أحدوثة لو يعيدها

قال عمر: فحفظته منه، ثم تغنيت به على الحالات التي وصف، فإذا هو كما ذكره.

[خالد صامة]

وتحدث الزبيريون عن خالد صامة بأنه كان من أحسن الناس ضربا بعود. قال:

قدمت على الوليد بن يزيد في مجلس ناهيك به مجلسا، فألفيته على سريره، وبين يديه معبد، ومالك بن أبي السمح، وابن عائشة، وأبو كامل غزيّل الدمشقي وكانوا يغنّون، حتى بلغت النوبة إليّ، فغنيته:

سرى همّي وهمّ المرء يسري *** وغاب النّجم إلا قيد فتر

لهمّ ما أزال له قرينا *** كأنّ القلب أودع حرّ جمر

على بكر أخي، فارقت بكرا *** وأيّ العيش يصلح بعد بكر

فقال: أعد يا صام. ففعلت، فقال لي: من يقول هذا الشعر؟ قلت: يقوله عروة ابن أذينة يرثي أخاه بكرا. قال الوليد:

وأي عيش يصلح بعد بكر! والله لقد حجّر واسعا، هذا والله العيش الذي نحن فيه، يصلح على رغم أنفه.

[سكينة]

وقد قيل: إن سكينة بنت الحسين غنيت بهذا الشعر، فقالت: ومن بكر هذا! هو ذاك الأشتر الذي كان يأتينا؟ لقد طاب كلّ شيء بعده حتى الخبز والزيت!

[الرشيد وإسحاق الموصلي]

وعن عبد الصمد بن المعذّل قال: سمعت إسحاق الموصلي يتحدث، قال: حججت مع الرشيد، فلما نزلت المدينة آخيت رجلا كانت له مروءة ومعرفة وأدب، وكان يغنّي، فإنّي ذات ليلة في منزلي إذا أنا بصوته يستأذن عليّ، فظننت أمرا قد حدث ففزع فيه إليّ، فأسرعت نحو الباب فقلت: ما جاء بك؟ قال: دعاني صديق إلى طعام عتيد، ومجلس شراب قد التقى طرفاه، وشواء رشراش ، وحديث ممتع، وغناء مشبع؛ فأجبته وأقمت معه إلى هذا الوقت، فأخذت مني حميا الكأس مأخذها، ثم غنيت بقول نصيب:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الرّكب *** وقل إن تملينا فما ملك القلب

فكدت أطير طربا، ثم وجدت في الطرب تنغيصا إذا لم يكن معي من يفهم هذا كما فهمته؛ ففزعت «2» إليك لأصفت لك هذه الحال ثم أرجع إلى صاحبي! وضرب بغلته مولّيا فقلت: قف أكلمك. فقال: ما بي إلى الوقوف إليك من حاجة.

[معاوية وزيد وسائب خاثر]

وحدث أن معاوية بن أبي سفيان استمع على يزيد ذات ليلة، فسمع عنده غناء أعجبه؛ فلما أصبح قال له: من كان ملهيك البارحة؟ قال: سائل خاثر. قال: فأكثر له من العطاء.

[عثمان بن حيان وابن أبي عتيق في تحريم الغناء]

وكان ابن أبي عتيق من نبلاء قريش وظرفائهم؛ فمن ظريف أخباره:

أن عثمان بن حيان المرّي لما دخل المدينة واليا عليها، اجتمع إليه الأشراف من قريش والأنصار، فقالوا له: إنك لا تعمل عملا أحرى ولا أولى من تحريم الغناء والرثاء. ففعل، وأجّلهم ثلاثا؛ فقدم ابن أبي عتيق في الليلة الثالثة، وكان غائبا، فحط رحله بباب سلّامة الزرقاء، وقال: بدأت بك قبل أن أصير إلى منزلي! قالت: أو ما تدري ما حدث بعدك؟ وأخبرته الخبر؛ فقال: أقيمي إلى السّحر حتى ألقاه.

فلقيه، فأخبره أنه إنما أقدمه حبّ التسليم عليه، وقال له: إن أفضل ما عملت تحريم الغناء والرثاء. فقال: إن أهلك أشاروا عليّ بذلك. فقال: إنهم وفّقوا ووفّقت، ولكني رسول امرأة إليك تقول: قد كانت هذه صناعتي فتبت إلى الله منها، وأنا أسألك أيها الأمير أن لا تحول بينها وبين محاورة قبر النبي صلّى الله عليه وسلم! فقال عثمان: إذا أدعها. فقال: إذا لا تدعك الناس؛ ولكن تدعو بها فتنظر إليها، فإن كان يجوز تركها تركتها. قال: فادع بها. فأمر ابن أبي عتيق فتنقّبت وأخذت سبحة في يدها، وصارت إليه، فحدّثته عن مآثر آبائه، ففكه بها فقال ابن أبي عتيق: أريد أن أسمع الأمير قراءتها. ففعلت؛ فحركه حداؤها. ثم قال له ابن أبي عتيق: فكيف لو سمعتها في صناعتها التي تركتها! فقال له: قل لها فلتغنّ. فغنت:

شددّت خصاص البيت لما دخلته *** بكلّ بنان واضح وجبين

فنزل عثمان عن سريرة ثم جلس بين يديها، وقال: لا والله ما مثلك يخرج عن المدينة! فقال ابن أبي عتيق: يقول الناس: أذن لسلّامة ومنع غيرها! فقال له: قد أذنت لهم جميعا! وذكر لابن أبي عتيق أن المخنثين خصوا، وأنه خصي فلان فيهم- لواحد منهم كان يعرفه-، فقال ابن أبي عتيق: إنا لله! لئن خصي لقد كان يحسن:

لمن ربع بذات الجي *** ش أمسى دراسا خلقا

ثم استقبل ابن أبي عتيق القبلة، فلما كبّر سلّم، ثم قال لأصحابه: أما إنه كان يحسن خفيفه، فأما ثقيله فلا. ثم كبّر.

[سليمان ومغن في عسكره]

وكان سليمان بن عبد الملك مفرط الغيرة، فسمع مغنيا في عسكره، فقال: اطلبوه! فجاءوا به، فقال له: أعد ما تغنّيت به. فأعاد واحتفل، فقال لأصحابه: والله لكأنها جرجرة الفحل في الشول، وما أحسب أنثى تسمع هذا إلا صبت إليه! ثم أمر به فخصي.

[ابن هشام ورجل صالح]

وقال أبو العباس محمد بن يزيد النحوي: روي لنا أن رجلا من الصالحين كان عند إبراهيم بن هشام، فانشده إبراهيم قول الشاعر:

إذا أنت فينا لمن ينهاك عاصية *** وإذ أجرّ إليكم سادرا رسني

فقام الرجل فرمى بشقّ ردائه وأقبل يسحبه حتى خرج من المجلس، ثم رجع إلى موضعه فجلس؛ فقال له إبراهيم: ما بالك؟ قال: إني كنت سمعت هذا الشعر فاستحسنته، فآليت أن لا أسمعه إلا جررت ردائي كما جر هذا الرجل رسنه!

[شاعر ومغن]

ووقف رجل من الشعراء على رجل من المغنّين فأنشده:

إني أتيت إليك من أهلي *** في حاجة يسعى لها مثلي

لا أبتغي شيئا لديك سوى *** «حيّ الحمول بجانب الرّمل»

قال له: انزل!

[دهمان المغني]

مرّ دهمان المغني بقوم وعليه رداء يثربي، فقالوا له: بكم أخذت الرداء؟ فقال:

ب ألا إنّ جيراننا ودّعوا

[أشعب وهاشمى]

وحدّثني أبو العباس أحمد بن بكر ببغداد قال: حدثني إسحاق بن ابراهيم الموصلي قال: كان يقال قديما: إذا قسا عليك قلب القرشي من تهامة، فغنّه بشعر عمر بن أبي ربيعة وغناء ابن سريج. وكذا فعل أشعب برجل من أهل مكة من بني هاشم، وكان أشعب قد انتجع أهل مكة من المدينة.

قال أشعب: فلما دخلت عليه غنيته بغناء أهل المدينة وأهل العقيق، فلم ينجع ذلك فيه ولم يحرّك من طربه ولا أريحيّته؛ فلما عيل صبري غنيته بغناء ابن سريج المكي وقول ابن أبي ربيعة القرشي:

نظرت إليها بالمحصّب من منى *** ولي نظر لولا التحرّج عارم

فقلت أشمس أم مصابيح راهب *** بدت لك تحت السجف أم أنت حالم

بعيدة مهوى القرط إما لنوفل *** أبوها وإما عبد شمس وهاشم

قال: فحرّكت والله من طربه، وكان الذي أردت؛ ثم غنيته لابن أبي ربيعة القرشي أيضا.

ولولا أن يقول لنا قريش *** مقال الناصح الأدنى الشفيق

لقلت إذ التقينا قبليني *** وإن كنا بقارعة الطريق

فقال: أحسن والله! هكذا يطيب التلقّي، لا بالخوف والتوقّي! قال: فلما رأيته قد طرب للصوتين ولم يندّ لي بشيء، قلت: هو الثالث وإلا فعليه السلام. قال: فغنيته الثالث من غناء ابن سريج قول عمر بن أبي ربيعة، ويقال إنها لجميل:

ما زلت أمتحن الدّساكر دونها *** حتى ولجت على خفيّ المولج

فوضعت كفّي عند مقطع خصرها *** فتنفّست نفسا ولم تتلهّج

قالت: وحقّ أخي وحرمة والدي *** لأنبّهنّ الحيّ إن لم تخرج

فخرجت خيفة قولها فتبسّمت *** فعلمت أن يمينها لم تحرج

فرشفت فاها آخذا بقرونها *** رشف النزيف ببرد ماء الحشرج

فصاح الهاشمي: أوّه! أحسن والله وأحسنت! وأمر لي بألف درهم وثلاثين حلة وخلعة كانت عليه.

وغنى ابن سريج رجلا من بني هاشم بقول جرير:

بعثن الهوى ثم ارتمين قلوبنا *** بأسهم أعداء وهنّ صديق

وما ذقت طعم العيش منذ نأيتم *** وما ساغ لي بين الجوانح ريق

قال: فخطف من ثوبه ذراعا، وقال: هذا والله العقيان في نحور القيان!

[مديني وجارية تغني]

قال: وصحب شيخ من أهل المدينة شابّا في سفينة ومعهم جارية تغني، فقال له:

إن معنا جارية تغني، ونحن نجلّك؛ فإذا أذنت لنا فعلنا. قال: فأنا أعتزل وافعلوا ما شئتم. فتنحّى وغنت الجارية:

حتى إذا الصّبح بدا ضوؤه *** وغابت الجوزاء والمرزم

أقبلت والوطء خفيّ كما *** ينساب من مكمنه الأرقم

فرمى الناسك بنفسه في الفرات وجعل يخبط بيديه ويقول: أنا الأرقم! فأخرجوه وقالوا: ما صنعت؟ فقال: والله إني أعلم من تأويله ما لا تعلمون!

[قاضي مكة ومغنية]

وقال أحمد بن جعفر: حضر قاضي مكة مأدبة لرجل من الأشراف، فلما انقضى الطعام اندفعت جارية تغني:

إلى خالد حتى أنخنا بخالد *** فنعم الفتى يرجى ونعم المؤمّل

فلم يدر القاضي ما يصنع من الطرب، حتى أخذ نعليه، ثم جثى على ركبتيه وقال:

اهدوني فإني بدنة.

[هاشمي ومغن]

كان رجل من الهاشميين يحب السماع؛ فبعث إلى رجل من المغنين فاقترح عليه صوتا كان كلفا به، فغناه إياه، فطرب الهاشمي وشق ثوبا كان عليه، ثم قال للمغني: افعل بنفسك مثل ما فعلت بنفسي! قال: أصلحك الله، إنك تجد خلفا من ثوبك، وإني لا أجد خلفا من ثوبي قال: أنا أخلف لك. قال: فأفعل وتفعل؟ قال: أخرجتنا من حد الطرب إلى حد السّوم.

من قرع قلبه صوت فمات منه أو أشرف

[يزيد ومغنية]

حدث أبو القاسم إسماعيل بن عبد الله المأمون في طريق الحج من العراق إلى مكة، قال: حدثني أبي، قال: كانت بالمدينة قينة من أحسن الناس وجها وأكملهم عقلا وأفضلهم أدبا، قرأت القرآن وروت الأشعار وتعلمت العربية؛ فوقعت عند يزيد بن عبد الملك، فأخذت بمجامع قلبه، فقال لها ذات يوم: ويحك! أما لك قرابة أو أحد يحسن أن أصطنعه أو أسدي إليه معروفا؟ قالت: يا أمير المؤمنين، أما قرابة فلا، ولكنّ بالمدينة ثلاثة نفر كانوا أصدقاء لمولاتي، كنت أحبّ أن ينالهم من خير ما صرت إليه! فكتب إلى عامله بالمدينة في أشخاصهم، وأن يعطي كل رجل منهم عشرة آلاف درهم، وأن يعجل بسراحهم إليه؛ ففعل عامل المدينة ذلك؛ فلما وصلوا إلى باب يزيد استؤذن لهم، فأذن لهم وأكرمهم وسألهم [عن] حوائجهم؛ فأما الاثنان فذكرا حوائجهما فقضاها لهما وأما الثالث فسأله عن حاجته؛ فقال: يا أمير المؤمنين، مالي حاجة! قال: ويحك! ولم؟ ألست أقدر على حوائجك؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، ولكن حاجتي لا أحسبك تقضيها! قال: ويحك! فسلني، فإنك لا تسألني حاجة أقدر عليها إلا قضيتها. قال: ولي الأمان يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم وكرامة، قال: إن رأيت أن تأمر جاريتك فلانة التي أكرمتنا لها أن تغنّيني ثلاثة أصوات أشرب عليها ثلاثة أرطال، فافعل، قال: فتغير وجه يزيد. وقام من مجلسه، فدخل على الجارية فأعلمها؛ قالت: وما عليك يا أمير المؤمنين؟ أفعل ذلك. فلما كان من الغد أمر بالفتى فأحضر، وأمر بثلاثة كراسي من ذهب فألقيت؛ فقعد يزيد على أحدها، وقعدت الجارية على الآخر، وقعد الفتى على الثالث؛ ثم دعا بطعام فتغدّوا جميعا، ثم دعا بصنوف الرياحين والطيب فوضعت ثم أمر بثلاثة أرطال فملئت؛ ثم قال للفتى: قل ما بدا لك وسل حاجتك. قال: تأمرها تغني:

لا أستطيع سلّوا عن مودّتها ... أو يصنع الحبّ بي فوق الذي صنعا

أدعو إلى هجرها قلبي فيسعدني ... حتى إذا قلت هذا صادق نزعا

فامرها فغنّت، فشرب يزيد وشرب الفتى، ثم شربت الجارية؛ ثم أمر بالأرطال فملئت، ثم قال للفتى: سل حاجتك. قال: تأمرها تغني: تخيّرت من نعمان عود أراكة ... لهند، ولكن من يبلّغه هندا؟

ألا عرّجا بي بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لأرضكما قصدا

قال: فغنت بهما، وشرب يزيد ثم الفتى ثم الجارية؛ ثم أمر بالأرطال فملئت؛ ثم قال للفتى: سل حاجتك. قال: يا أمير المؤمنين مرها تغني:

منّا الوصال ومنكم الهجر ... حتى يفرّق بيننا الدهر

والله ما أسلوكم أبدا *** ما لاح نجم أو بدا فجر

قال: فلم تأت على آخر الأبيات حتى خرّ الفتى مغشيا عليه؛ فقال يزيد للجارية:

انظري ما حاله! فقامت إليه فحرّكته، فإذا هو ميت! فقال لها: ابكيه! قالت لا أبكيه يا أمير المؤمنين وأنت حيّ! قال لها: ابكية، فو الله لو عاش ما انصرف إلا بك! فبكته، وأمر بالفتى فأحسن جهازه ودفنه.

[عبد الملك وابن جعفر في الغناء]

قال: وحدّث أبو يوسف بالمدينة قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر الجذامي عن أبيه، أنّ عبد الله بن جعفر وفد على عبد الملك بن مروان، فأقام عنده حينا؛ فبينا هو ذات ليلة في سمره، إذ تذاكروا الغناء؛ فقال عبد الملك: قبح الله الغناء! ما أوضعه للمروءة، وأجرحه للعرض، وأهدمه للشّرف، وأذهبه للبهاء! وعبد الله ساكت، وإنما عرّض بعبد الله، وأعانه عليه من حضر من أصحابه- فقال عبد الملك: مالك أبا جعفر لا تتكلم؟ قال: ما أقول ولحمي يتمزع وعرضي يتمزق؟ قال: أما إني نبّئت أنك تغني! قال: أجل يا أمير المؤمنين، قال: أفّ لك وتفّ! قال: لا أفّ ولا تفّ، فقد تأتي أنت بما هو أعظم من ذلك، قال: وما هو؟ قال: يأتيك الأعرابي الجافي، يقول الزّور؛ ويقذف المحصنات؛ فتأمر له بألف دينار، وأشتري أنا الجارية الحسناء من مالي، فأختار لها من الشعر أجوده، ومن الكلام أحسنه، ثم تردّده عليّ بصوت حسن؛ فهل بذلك بأس؟ قال: لا بأس، ولكن أخبرني عن هذه الأغاني ما تصنع؟

قال: نعم، اشتريت جارية باثني عشر ألف درهم مطبوعة، فكان بديح وطويس يأتيانها فيطرحان عليها أغانيهما، فعلقت منهما حتى غلبت عليهما؛ فوصفت ليزيد بن معاوية، فكتب إليّ: إمّا أهديتها إليّ، وإمّا بعتها بحكمك. فكتبت إليه: إنها لا تخرج عن ملكي ببيع ولا هبة! فبذل لي فيها ما كنت أحسب أنّ نفسه لا تسخو به، فأبيت عليه.

فبينما هي عندي على تلك الحال، إذ ذكرت لي عجوز من عجائزنا أنّ فتى من أهل المدينة سمع غناءها فعلقها وشغف بها، وأنه يجيء في كل ليلة مستترا يقف بالباب حتى يسمع غناءها ثم ينصرف؛ فراعيت مجيئه، فإذا الفتى قد أقبل مقنّع الرأس، فأشرفت عليه وقد قعد مستخفيا، فلم أدع بها تلك الليلة، وجعلت أتأمّل موضعه، فبات مكانه الذي هو فيه؛ فلما انشق الفجر اطلعت عليه، فإذا هو في موضعه، فدعوت قيّمة الجواري فقلت لها: انطلقي الساعة فزيّني هذه الجارية وأعجلي بها إليّ. فلما جاءت بها نزلت وفتحت الباب وحرّكته، فانتبه مذعورا؛ فقلت له: لا بأس عليك! خذ بيد هذه الجارية فهي لك، وإن هممت ببيعها فردّها إليّ! فدهش وأخذه الخبل ولبط به «1» ؛ فدنوت من أذنه! فقلت: ويحك! قد أظفرك ببغيتك، فقم فانطلق بها إلى منزلك! فإذا الفتى قد فارق الدنيا، فلم أر شيئا قط أعجب منه! قال عبد الملك: وأنا والله ما سمعت شيئا قط أعجب من هذا ولولا أنك عاينته ما صدّقت به؛ فما صنعت بالجارية؟ قال: تركتها عندي، وكنت إذا ذكرت الفتى لم أجد لها مكانا من قلبي، وكرهت أن أوجّه بها إلى يزيد فيبلغه حالها فيحقد عليّ، فما زالت تلك حالها حتى ماتت!

[طريفة وأيوب المغني]

ووقف رجل يقال له طريفة على أيوب المغني فقال:

إني قصدت إليك من أهلي *** في حاجة يسعى لها مثلي

لا أبتغي شيئا لديك سوى *** «حيّ الحمول بجانب الرّمل»

فقال له: انزل، فلك ما طلبت، فنزل، فأخرج عوده ثم غناه بقول امريء القيس:

حيّ الحمول بجانب الرمل *** إذ لا يلائم شكلها شكلي

فلبط بطريفة، فإذا هو في الأرض منجدل، فلما أفاق قام يمسح التراب عن وجهه؛ فقيل له: ويحك! ما كانت قصتك؟ قال: ارتفع والله من رجلي شيء حارّ، وهبط من رأسي شيء بارد، فالتقيا وتصادما؛ فوقعت لا أدري ما كانت حالي.

أخبار عنان وغيرها من القيان

حدّث محمد بن زكريا الغلابي بالبصرة قال: حدثنا ابراهيم بن عمر قال: كان الرشيد قد استعرض عنان جارية الناطفي ليشتريها، وقال لها: أنا والله أحبّك! ثم أمسك عن شرائها؛ فجلس ليلة مع سمّاره، فغناه بعض من حضر من المغنين بأبيات جرير حيث يقول:

إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا *** وشلا بعينك لا يزال معينا

قال: فطرب الرشيد لها طربا شديدا، وأعجب بالابيات، وقال لجلسائه: هل منكم أحد يجيز هذه الابيات بمثلهنّ، وله هذه البدرة؟ - وبين يديه بدرة من دنانير- قال:

فلم يصنعوا شيئا؛ فقال خادم على رأسه: أنا لك بها يا أمير المؤمنين. قال: شأنك.

فاحتمل البدرة؛ ثم أتى الناطفيّ فقال له: استأذن لي على عنان. فأذنت له، فدخل وأخبرها الخبر؛ فقالت: ويحك! وما الابيات؟ فأنشدها إياها، فقالت له: اكتب:

هيّجت بالقول الذي قد قلته *** داء بقلبي ما يزال كمينا

قد أينعت ثمراته في طينها *** وسقين من ماء الهوى فروينا

كذب الذين تقوّلوا يا سيدي *** إنّ القلوب إذا هوين هوينا

فقالت له: دونك الابيات. فدفع إليها البدرة ورجع إلى هارون، فقال: ويحك! من قالها؟ قال: عنان جارية الناطفي. فقال: خلعت الخلافة من عنقي إن باتت إلا عندي! قال: فبعث إلى مولاها فاشتراها منه بثلاثين ألفا، وباتت بقية تلك الليلة عنده! وقال الاصمعي: ما رأيت الرشيد مبتذّلا قط إلا مرة، كتبت إليه عنان جارية الناطفى رقعة فيها:

كنت في ظلّ نعمة بهواكا *** آمنا لا أخاف جفاكا

فسعى بيننا الوشاة فأقرر *** ت عيون الوشاة بي فهناكا

ولعمري لغير ذا كان أولى *** بك في الحق يا جعلت فداكا

قال: فأخذ الرقعة بيده وعنده ابو جعفر الشطرنجي، فقال: أيكم يشير إلى المعنى الذي في نفسي فيقول فيه شعرا وله عشرة آلاف درهم؟ فظننت أنه وقع بقلبه أمر عنان، فبدر ابو جعفر:

مجلس ينسب السرور إليه *** لمحبّ ريحانه ذكراكا

فقال: يا غلام، بدرة! قال الاصمعي: وقلت:

لم ينلك الرجاء أن تحضريني *** وتجافت أمنيّتي عن سواكا

قال: أحسنت والله يا أصمعي، لها ولك بهذا البيت عشرون ألفا.

قال جرير:

كلما دارت الزجاجة والكأ *** س أعارته صبوة فبكاكا

فقال: أنا أشعركم حيث أقول:

قد تمنيت ان يغشّين *** الله نعاسا لعلّ عيني تراكا

قلنا له: صدقت والله يا أمير المؤمنين.

[الباهلي في امر عنان]

وقال بكر بن حماد الباهلي: لما انتهى إليّ خبر عنان، وأنها ذكرت لهارون وقيل إنها من أشعر الناس، خرجت معترضا لها؛ فما راعني إلا الناطفي مولاها قد ضرب على عضدي، فقال لي: هل لك فيما سنح من طعام وشراب ومجالسة عنان؟ فقلت: ما بعد عنان مطلب! ومضينا حتى أتينا منزله، فعقل دابته ثم دخل فقال: هذا بكر شاعر باهلة يريد مجالستك اليوم. فقالت: والله، إني كسلانة! فحمل عليها بالسوط؛ ثم قال لي: ادخل. فدخلت ودمعها يتحدّر كالجمان في خدها، فطمعت بها؛ فقلت:

هذي عنان أسبلت دمعها *** كالدرّ إذ ينسل من خيطه

ثم قلت: أجيزي. فقالت:

فليت من يضربها ظالما *** تجفّ كفّاه على سوطه

فقلت لها: إن لي حاجة. فقالت: هاتها، فمن سببك أوذينا! قلت لها: بيت وجدته على ظهر كتابي، لم أقرضه ولم أقدر على إجازته. قالت: قل: فأنشدتها:

فما زال يشكو الحبّ حتى حسبنه *** تنفّس من أحشائه فتكلما

قال: فأطرقت ساعة ثم أنشدت:

ويبكي فأبكي رحمة لبكائه *** إذا ما بكي دمعا بكيت له دما!

قلت لها: فما عندك في اجازة هذا البيت:

بديع حسن بديع صدّ *** جعلت خدّي له ملاذا

فأطرقت ساعة ثم قالت:

فعاتبوه فعنّفوه، فأوعدوه، فكان ماذا ؟

[أبو نواس وعنان]

وجلس أبو نواس إلى عنان، فقالت: كيف علمك بالعروض وتقطيع الشعر يا حسن؟ قال: جيد. قالت تقطع هذا البيت:

أكلت الخردل الشا *** ميّ في صفحة خبّاز

فلما ذهب يقطّعه ضحكت به وأضحكت، فأمسك عنها وأخذ في ضروب من الاحاديث؛ ثم عاد سائلا لها، فقال: كيف علمك بالعروض؟ قالت: حسن يا حسن فقال: قطعي هذا البيت:

حوّلوا عنّا كنيستكم *** يا بني حمّالة الحطب

فلما ذهبت تقطّعه ضحك أبو نواس، فقالت: قبحك الله! ما برحت حتى أخذت بثأرك!

[المأمون وسوسن المغني وجارية]

حدّث أبو عبد الله بن عبد البر المدني قال: حدثني إسحاق بن ابراهيم الموصلي قال: كان للمأمون جماعة من المغنين، وفيهم مغنّ يسمى سوسنا، عليه وسم جمال قال:

فبينما هو عنده يغني إذ تطلعت جارية من جواريه فنظرت إليه فعلقته، فكانت إذا حضر سوسن تسوّي عودها وتغني:

ما مررنا بالسّوسن الغضّ إلا *** كان دمعي لمقلتي نديما

حبّذا أنت والمسمّى به أنت وإن كنت منه أذكى نسيما فإذا غاب سوسن أمسكت عن هذا الصوت وأخذت في غيره؛ فلم تزل تفعل ذلك حتى فطن المأمون، فدعا بها ودعا بالسيف والنّطع؛ ثم قال: اصدقيني أمرك قالت:

يا أمير المؤمنين، ينفعني عندك الصدق؟ قال لها: إن شاء الله! قالت: يا أمير المؤمنين، اطلعت من وراء الستارة فرأيته فعلقته، فأمسك المأمون عن عقوبتها، وأرسل إلى المغني فوهبها له وقال لا يربنا!

قال أبو الحسن: وكان الواثق إذا شرب وسكر رقد في موضعه الذي سكر فيه، ومن سكر من ندمائه ترك ولم يخرج؛ فشرب يوما فسكر ورقد، وانقلب أصحابه، إلا مغنيا أظهر التراقد، وبقيت معه مغنية للواثق؛ فلما خلا المجلس وقع المغني في سحاءة ودفعها إليها:

إني رأيتك في المنام كأنني *** مترشّف من ريق فيك البارد

وكأنّ كفّك في يدي وكأنما *** بتنا جميعا في فراش واحد

ثم انتبهت ومنكباك كلاهما *** في راحتيّ وتحت خدّك ساعدي

فأجابته:

خيرا رأيت وكل ما أبصرته *** ستناله منّي برغم الحاسد

وتبيت بين خلاخلي ودمالجي *** وتجول بين مراسلي ومجاسدي

فنكون أنعم عاشقين تعاطيا *** ملح الحديث بلا مخافة راصد

فلما مدت يدها لترمي إليه بالسحاءة، رفع الواثق رأسه فأخذ السحاءة من يدها، وقال لهما: ما هذه؟ فحلفا له أنه لم يجر بينهما قبل هذا كلام ولا كتاب ولا رسول غير اللحظ، إلا ان العشق قد خامرهما. فأعتقها وزوّجها منه، فلما أشهد له وتم النكاح، أقامها الواثق إلى بيت من بعض البيوت، فوقع بها ثم خرج فقال له: أردت أن تكشّخني فيها وهي خادمتي، فقد كشختك فيها وهي زوجتك!

[يزيد ومسلمة في حبابة]

قال: ولما كلف يزيد بحبابة واشتغل بها وأضاع الرعية، دخل عليه مسلمة أخوه فقال: يا أمير المؤمنين، تركت الظهور للعامّة، والشهود للجمعة، واحتجبت مع هذه الأمّة! فارعوي قليلا وظهر للناس؛ فأوصت حبابة إلى الاحوص أن يقول أبياتا يهوّن فيها على يزيد ما قال مسلمة؛ فقال وغنّت بها حبابة:

ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا *** فقد منع المحزون أن يتجلدا

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى *** فكن حجر- من يابس الصخر جلمدا

هل العيش إلا ما تلذ وتشتهي *** وإن لام فيه ذو الشنّان وفنّدا

فلما سمعها ضرب بجربّانه الارض وقال: صدقت صدقت؛ على مسلمة لعنة الله! ثم عاد إلى سيرته الاولى.

[يزيد بعد موت حبابة]

وحدث ابن الغاز قال: حدثنا أبو سعيد عبد الله بن شبيب قال: حدثنا الهيثم بن أبي بكر قال: كان يزيد بن عبد الملك كلفا بحبابة كلفا شديدا، فلما توفيت أكب عليها أياما يترشفها ويتشممها؛؛ ثم انتنت، فقام عنها وأمر بجهازها؛ ثم خرج بين يدي نعشها؛ حتى إذا بلغ القبر نزل فيه؛ حتى إذا فرغ من دفنها وانصرف لصق إليه مسلمة اخوه يعزيه ويؤنسه؛ فلما أكثر عليه قال: قاتل الله ابن أبي جمعة حيث يقول:

فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى *** فباليأس تسلو عنك لا بالتجلّد

وكلّ خليل زارني فهو قاتل *** من اجلك: هذه هامة اليوم أو غد

قال: وطعن في جنازتها، فدفنّاه إلى سبعة عشر يوما.

[المعتصم وجارية]

وذكر المعتصم جارية كانت غلبت عليه وهو بمصر، ولم يكن خرج بها معه؛ فدعا مغنيا له فقال له: ويحك! اني ذكرت جارية، فأقلقني الشوق إليها؛ فهات صوتا يشبه ما ذكرت لك. فأطرق مليا ثم غنى:

وددت من الشوق المبرّح أنني *** أعار جناحي طائر فأطير

فما لنعيم لست فيه بشاشة *** وما لسرور لست فيه سرور

وإنّ امرأ في بلدة نصف قلبه *** ونصف بأخرى غيرها لصبور

فقال: واد ما عدوت ما في نفسي! وأمر له بجائزة، ورحل من ساعته، فلما بلغ الفرما قال:

غريب في قرى مصر *** يقاسي الهمّ والسّدما

لليلك كان بالميدا *** ن اقصر منه بالفرما

[يزيد بعد موت حبابة]

وحدث ابن الغاز قال: حدثنا أبو سعيد عبد الله بن شبيب قال: حدثنا الهيثم بن أبي بكر قال: كان يزيد بن عبد الملك كلفا بحبابة كلفا شديدا، فلما توفيت أكب عليها أياما يترشفها ويتشممها؛ ثم انتنت، فقام عنها وأمر بجهازها؛ ثم خرج بين يدي نعشها؛ حتى إذا بلغ القبر نزل فيه؛ حتى إذا فرغ من دفنها وانصرف لصق إليه مسلمة اخوه يعزيه ويؤنسه؛ فلما أكثر عليه قال: قاتل الله ابن أبي جمعة حيث يقول:

فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى *** فباليأس تسلو عنك لا بالتجلّد

وكلّ خليل زارني فهو قاتل *** من اجلك: هذه هامة اليوم أو غد

قال: وطعن في جنازتها، فدفنّاه إلى سبعة عشر يوما.

[المعتصم وجارية]

وذكر المعتصم جارية كانت غلبت عليه وهو بمصر، ولم يكن خرج بها معه؛ فدعا مغنيا له فقال له: ويحك! اني ذكرت جارية، فأقلقني الشوق إليها؛ فهات صوتا يشبه ما ذكرت لك. فأطرق مليا ثم غنى:

وددت من الشوق المبرّح أنني *** أعار جناحي طائر فأطير

فما لنعيم لست فيه بشاشة *** وما لسرور لست فيه سرور

وإنّ امرأ في بلدة نصف قلبه *** ونصف بأخرى غيرها لصبور

فقال: واد ما عدوت ما في نفسي! وأمر له بجائزة، ورحل من ساعته، فلما بلغ الفرما قال:

غريب في قرى مصر *** يقاسي الهمّ والسّدما

لليلك كان بالميدا *** ن اقصر منه بالفرما

وقال المأمون في قينة له:

لها في لحظها لحظات حتف *** تميت بها وتحيي من تريد

فإن غضبت رأيت الناس قتلي *** وإن ضحكت فأرواح تعود

وتسبي العالمين بمقلتيها *** كأنّ العالمين لها عبيد

وأنشد البحتري في قينة له:

أمازحها فتغضب ثم ترضى *** وفعل جمالها حسن جميل

فإن تغضب فأحسن ذات دلّ *** وإن ترضى فليس لها عديل

وقال المعتز في قينة له:

فأمسيت في ليلين للشّعر والدّجا *** وشمسين من كأس ووجه حبيب

وقال هارون الرشيد في قينة له رحمه الله:

تبدي صدودا وتخفي تحته مقة *** فالنّفس راضية والطرف غضبان

يا من وضعت له خدّي فذلله *** وليس فوقي سوى الرحمن سلطان

وقال ابراهيم الشيباني: القينة لا تخلص محبة لأحد، ولا تؤتى إلا من باب طمع.

وقال علي بن الجهم: قلت لقينة:

هل تعلمين وراء الحبّ منزلة *** تدني إليك فإنّ الحبّ أقصاني»

فقالت: تأتي من باب الذهب، وأنشدت:

اجعل شفيعك منقوشا تقدّمه *** فلم يزل مذنبا من ليس بالدّاني

[أشعب وقينة]

وكان أشعب يختلف إلى قينة بالمدينة فجلس عندها يوما يطارحها الغناء؛ فلما أراد الخروج قال لها: نوّليني خاتمك أذكرك به. قالت: إنه ذهب، وأخاف ان تذهب؛ ولكن هذ خذ العود، لعلك تعود! وناولته عودا من الأرض!

وكان أشعب يختلف إلى قينة بالمدينة يكلف بها وينقطع إذا نظرها، فطلبت منه أن يسلفها دراهم، فانقطع عنها وتجنب دارها، فعلمت له دواء ولقيته به؛ فقال لها: ما هذا؟ قالت: دواء عملته لك تشربه لهذا الفزع الذي بك! قال: اشربيه أنت للطمع، فان انقطع طمعك انقطع فزعي. وأنشأ يقول:

أنا والله أهواك *** ولكن ليس لي نفقه

فإمّا كنت تهويني *** فقد حلّت لي الصّدقه

[أبو الحارث وقينة]

وقعد أبو الحارث جمّيز إلى قينة بالمدينة صدر نهاره، فجعلت تحدّثه ولا تذكر الطعام؛ فلما طال ذلك به قال: مالي لا أسمع للطعام ذكرا؟ قالت: سبحان الله! أما تستحي؟ أما في وجهي ما يشغلك عن هذا؟ فقال لها: جعلت فداك، لو أن جميلا وبثينة قعدا ساعة واحدة لا يأكلان، لبصق كل واحد منهما في وجه صاحبه وافترقا!

[أبو نواس وقينة]

وقال الشيباني: كانت بالعراق قينة، وكان أبو نواس يختلف إليها، فتظهر له أنها لا تحب غيره؛ وكان كلما جاءها وجد عندها فتى يجلس عندها ويتحدث إليها؛ فقال فيها:

ومظهرة لخلق الله ودّا *** وتلقى بالتّحيّة والسّلام

أتيت فؤادها أشكو إليه *** فلم أخلص إليه من الزّحام

فيامن ليس يكفيها صديق *** ولا خمسون ألفا كلّ عام

أراك بقيّة من قوم موسى *** فهم لا يصبرون على طعام

[ابو نواس وقيان]

وقال الشيباني حضر أبو نواس مجلسا فيه قيان؛ فقلن له: ليتنا بناتك. قال: نعم، ونحن على المجوسية.

وقال العتبي: حضرت قينة مجلسا، فتغنت فأجادت، فقام إليها شيخ من القوم فجلس بين يديها، وقال: كل مملوك لي حرّ، وكل امرأة لي طالق، لو كانت الدنيا لي كلها صررا في كمي لقطعتها لك؛ فأما إذا لم يكن فجعل الله كل حسنة لي لك، وكلّ سيئة عليك عليّ. قالت: جزاك الله خيرا، فو الله ما يقوم الوالد لولده بما قمت به لنا. فقام شيخ آخر وقعد بين يديها وقال لها: كل مملوك لي حر، وكل امرأة لي طالق، إن كان وهب لك شيئا ولا حمل عنك ثقلا؛ لانه ماله حسنة يهبها لك، ولا عليك سيئة يحملها عنك؛ فلأيّ شيء تحمدينه؟

حدّث احمد بن عمر المكي قال: سمعت إسحاق بن ابراهيم الموصلي يقول: كان بالمدينة رجل جعفري، من ولد جعفر بن أبي طالب، وكان يحب الغناء، وكان بالمدينة قينة يقال لها بصيص، وكان الجعفري يتعشّقها، فقال يوما لإخوانه: قوموا معي إلى هذه الجارية حتى نكاشفها، فقد والله أيتمت ولدي، وأرملت نسائي، وأخربت ضيعتي. فقاموا معه، حتى إذا جاءوا إلى بابها دقّه، فخرجت إليه، فإذا هي أملح الناس دلّا وشكلا، فقال لها: يا جارية، أتغنّين:

وكنت أحبكم فسلوت عنكم *** عليكم في دياركم السلام

فاستحيت وخجلت وبكت وقالت: يا جارية، هاتي عودي؛ والله ما أحسن هذا ولكن أحسن غيره. فغنت:

تحمل اهلها منها فبانوا *** على آثار من ذهب العفاء

قال: فاستحيا والله صاحبنا حتى تصبب عرقا، ثم قال لها: يا سيدتي، أفتحسنين أن تغني:

وأخضع للعتبى إذا كنت ظالما *** وإن ظلموا كنت الذي أتفضل

قالت: والله ما اعرف هذا ولكن غيره. فغنت:

فإن تقبلوا بالود أقبل بمثله *** وأنزلكم منا بأكرم منزل

قال: فدفع الباب ودخل، وأرسل غلامه يحمل إليه حوائجه؛ وقال: لعن الله الاهل والولد والضّيعة!

[خبر الذلفاء]

قال أبو سويد: حدثني أبو زيد الاسدي قال: دخلت على سليمان بن عبد الملك بن مروان، وهو جالس على دكان مبلط بالرخام الاحمر، مفروش بالديباج الأخضر، في وسط بستان ملتف، قد أثمر وأينع؛ واذا بإزاء كل شقّ من البستان ميدان ينبت الربيع قد ازهر وعلى رأسه وصائف. كلّ واحدة منهن احسن من صاحبتها؛ وقد غابت الشمس، فنضرت الخضرة، وأضعفت في حسنها الزهرة، وغنّت الاطيار فتجاوبت، وسفت الرياح على الاشجار فتمايلت؛ [وقد حلي البستان] بأنهار فيه قد شقّقت، ومياه قد تدفقت: فقلت: السلام عليك أيها الامير ورحمة الله وبركاته. وكان مطرقا، فرفع رأسه وقال: أبا زيد! في مثل هذا الحين يصاب احد حيا؟

قلت: أصلح الله الامير، أو قد قامت القيامة بعد!

قال: نعم، على أهل المحبة سرا والمراسلة بينهم خفية.

ثم أطرق مليا، ثم رفع رأسه فقال: أبا زيد، ما يطيب في يومنا هذا؟

قلت: أعز الله الامير، قهوة صفراء، في زجاجة بيضاء، تناولها مقدودة هيفاء، مضمومة لفّاء [مكحولة] دعجاء، أشربها من كفها، وأمسح فمي بفمها!

فأطرق سليمان مليا لا يحير جوابا، ينحدر من عينه عبرات بلا شهيق؛ فلما رأت

في ليلة التّمّ لا يدري مضاجعها *** أوجهها عنده أبهى أم القمر

لم يحجب الصّوت أجراس ولا غلق *** فدمعها لطروق الصّوت منحدر

لو خلّيت لمشت نحوي على قدم *** يكاد من لينه للمشي ينفطر

فسمعت الذلفاء صوت سنان، فخرجت إلى وسط الفسطاط تستمع؛ فجعلت لا تسمع شيئا من [حسن] خلق ولطافة قدّ، إلا الذي وافق المعنى؛ ومن نعت الليل واستماع الصوت؛ إلا رأت ذلك كله في نفسها ومهبها، فحرك ذلك ساكنا في قلبها، فهملت عيناها، وعلا نشيجبها، فانتبه سليمان فلم يجدها معه، فخرج إلى صحن الفسطاط فرآها على تلك الحال، فقال لها: ما هذا يا ذلفاء؟ فقالت:

ألا ربّ صوت رائع من مشوّة *** قبيح المحيّا واضع الأب والجدّ

يروعك منه صوته ولعلّه *** إلى أمة يعزى معا وإلى عبد

فقال سليمان: دعيني من هذا فو الله لقد خامر قلبك منه خامر! يا غلام، عليّ بسنان. فدعت الذلفاء خادما لها فقالت: إن سبقت رسول أمير المؤمنين إلى سنان، فحذّره ولك عشرة آلاف درهم وأنت حر لوجه الله تعالى! فخرج الرسول فسبق رسول سليمان؛ فلما أتي به قال: يا سنان، ألم أنهك عن مثل هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين حملني الثمل وأنا عبد أمير المؤمنين وغذيّ نعمته؛ فإن رأى امير المؤمنين أن لا يضيع حظّه من عبده فليفعل. قال: أما حظي منك فلن أضيعه، ولكن ويلك! أما علمت أن الرجل إذا تغنى أصغت المرأة إليه، وأن الحصان إذا صهل ودقت له الفرس، وأن الفحل إذا هدر صغت له الناقة، وأن التيس إذا نبّ «3» استحرمت له الشاة؟ وإياك والعود إلى ما كان منك يطول غمّك.

[أبو السمراء وامرأة بالمدينة]

قال إسحاق: حدثني أبو السمراء قال: حججت فبدأت بالمدينة، فإني لمنصرف من حسبك بها منة، وحسبك بي شاكرة، قلت: ففي قلبك من تلك الشهوة شيء؟ قالت:

لذع في الفؤاد، وأما تلك الغلمة التي كانت تنسيني الفريضة وتقطعني عن النافلة فقد ذهب تسعة أعشارها! فوقفت عليها وقلت: ألك حاجة إن أزم حالك؟ قالت: لا، أنا في فائت من العيش! فلما نهضت لاقوم قالت: على رسلك، لا تنصرف خائبا! ثم ترنمت بصوت تخفيه من جارتها:

ولي كبد مقروحة، من يبيعني *** بها كبدا ليست بذات قروح

أبى الناس كلّ الناس لا يشترونها *** ومن يشتري ذا علّة بصحيح

[ابن الجهم وقينة]

أبو بكر بن جامع عن الحسين بن موسى، قال: كتب علي بن الجهم إلى قينة كان يتعشقها:

خفي الله فيمن قد تبلت فؤاده *** وتيّمته دهرا كأنّ به سحرا

دعي الهجر لا أسمع به منك إنما *** سألتك أمرا ليس يعري لكم ظهرا

فكتبت إليه: صدقت، جعلت فداك؛ ليس يعرى لنا ظهرا، ولكنه يملأ لنا بطنا!

[أبو بكر الكاتب وقينة ابن حماد]

وكان أبو بكر الكاتب مفتتنا بقينة محمد بن حماد، فأهدى إليها ممسكة، فقال فيها بعض الكتاب:

أهدى إليها قميصا *** ينيكها فيه غيره

فللسعادة حرها *** وللشّقاوة أيره

[هاشمي وقينتان ومضحك]

حدث أبو عبد الله بن عبد البر بمصر قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم عن الهيثم بن عدي قال: كان بالمدينة رجل من بني هاشم، وكان له قينتان، يقال لإحداهما رشا، وللأخرى جؤذر؛ وكان يحب الغناء، وكان بالمدينة مضحك لا يكاد يغيب عن مجلس أحد؛ فأرسل الهاشمي إليه ذات يوم ليضحك به، فلما أتاه قال: ما الفائدة فيك وفي لذتك ولا لذة لي؟ قال له: وما لذتك؟ قال: تحضر لي نبيذا، فإنه لا يطيب لي عيش إلا به. فأمر الهاشمي بإحضار نبيذ، وأمر أن يطرح فيه سكّر العشر، فلما شربه المضحك تحرك عليه بطنه؛ وتناوم الهاشمي وغمز جواريه عليه، فلما ضاق عليه الأمر واضطر إلى التبرّز قال في نفسه: ما أظن هاتين المغنيتين إلا يمانيتين. وأهل اليمن يسمون الكنف المراحيض فقال لهما: يا حبيبتي، أين المرحاض؟ قالت: إحداهما لصاحبتها: ما يقول: قالت يقول: غنياني:

رحضت فؤادي فخلّيتني *** أهيم من الحبّ في كلّ واد

فاندفعتا تغنيانه؛ فقال في نفسه: ما أراهما فهمتا عني، أظنهما مكيّتين وأهل مكة يسمونها المخارج. قال: يا حبيبتي، أين المخرج؟ قالت إحداهما للأخرى: ما يقول؟

قالت: يقول غنياني:

خرجت بها من بطن مكّة بعد ما *** أصات المنادي للصلاة فأعلما

فاندفعتا تغنيانه؛ فقال في نفسه: لم يفهما والله عني، أظنهما شاميتين، وأهل الشام يسمونها المذاهب؛ فقال لهما: يا حبيبتي، أين المذهب؟ قالت إحداهما لصاحبتها: ما يقول؟ قالت: يقول: غنياني:

ذهبت من الهجران في غير مذهب *** ولم يك حقا كلّ هذا التّجنّب

فغنتاه الصوت؛ فقال في نفسه: لم يفهما عني، وما أظنهما إلا مدنيتين وأهل المدينة

يسمونها بيت الخلاء؛ فقال لهما: يا حبيبتي، أين بيت الخلاء؟ قالت إحداهما لصاحبتها: ما يقول؟ قالت: يسأل أن نغني:

خلّى على جوى الأحزان إذ ظعنا *** من بطن مكّة والتسهيد والحزنا

قال: فغنتاه؛ فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ما أحسب الفاسقتين إلا بصرتين وأهل البصرة يسمونها الحشوش؛ فقال لهما: أين الحشّ؟ فقالت إحداهما لصاحبتها ما يقول؟ قالت: يسأل أن نغنيه:

فلقد أوحش الجهيدان منها *** فمناها فالمنزل المعمور

فاندفعتا تغنيانه؛ فقال: ما أراهما إلا كوفيتين. وأهل الكوفة يسمونها الكنف.

قال: يا حبيبتي، أين الكنيف؟ قالت إحداهما لصاحبتها: يعيش سيدنا، هل رأيت أكثر اقتراحا من هذا الرجل؟ ما يقول؟ قالت: يسأل أن نغني. تكنّفني الهوى طفلا *** فشيّبني وما اكتهلا

قال: فغلبه بطنه، وعلم أنهما تولعان به، والهاشمي يتقطع ضحكا؛ فقال لهما:

كذبتما يا زانيتان، ولكني أعلمكما ما هو. فرفع ثيابه فسلح عليهما، وانتبه الهاشمي فقال له: سبحان الله! أتسلح على وطائي؟ قال: الذي خرج من بطني أعزّ عليّ من وطائك؛ إن هاتين الزانيتين إنما حسبتا أني أسأل عن الحش للضراط، فأعلمتهما ما هو.

قولهم في العود

[يزيد وعبيد الله في البربط]

قال يزيد بن عبد الملك يوما وذكر عنده البربط، فقال: ليت شعري ما هو؟

فقال له عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أنا أخبرك ما هو: هو محدوب

فولّدت للنّدامى بين نغمتها *** وكفّها فرحا تفصيله حزن

فما تلعثم عنها لفظ مزهرها *** ولا تحير في ألحانها لحن

تهدي إلى كلّ حرّ من طبائعها *** بنانها نغما أثمارها فتن

وترتعي العين منها روض وجنتها *** طورا وتسرح في ألفاظها الأذن

وقال عكاشة بن الحصين :

من كفّ جارية كأن بنانها *** من فضة قد طرّفت عنّابا

وكأنّ يمناها إذا ضربت بها *** تلقي على يدها الشمال حسابا

ومن قولنا في العود:

يا ربّ صوت يصوغه عصب *** نيطت بساق من فوقها قدم

جوفاء مضمومة أصابعها *** مسكّنات تحريكها نغم

أربعة جزّئت لأربعة *** أجزاؤها بالنّفوس تلتحم

أصغرها في القلوب أكبرها *** يبعث منها الشّفاء والسقم

إذ أرنّت بغمز لافظها *** قلت حمام يجيبهنّ حم

لها لسان بكفّ ضاربها *** يعرب عنها وما لهنّ فم

[قولهم في المبرّدين في الغناء]

قال أبو نواس:

قل لزهير إذا شدا وحدا *** أقلل أو اكثر فأنت مهذار

سخنت من شدّة البرودة حتى صرت عندي كأنك النار وقال أيضا:

لا يعجب السامعون من صفتي *** كذلك الثلج بارد حار

وقال مؤمن في ربيع المغنى، وكان يتغنى وينقر في الدواة:

غناؤك يا ربيع أشدّ بردا *** إذا حمي الهجير من الصّقيع

ونقرك في الدّواة أشدّ منه *** فما يصبو إليك سوى رقيع

أغثنا في المصيف إذا تلظى *** ودعنا في الشّتاء وفي الربيع

باب من الرقائق

وقد جبل أكثر الناس على سوء الاختيار، وقلة التحصيل والنظر مع لؤم الغرائز، وضعف الهمم. وقلّ من يختار من الصنائع أرفعها، ويطلب من العلوم أنفعها. ولذلك كان أثقل الأشياء عليهم وأبغضها إليهم مئونة التحفظ، وأخفها عندهم وأسهلها عليهم إسقاط المروءة.

وقيل لبعضهم: ما أحلى الأشياء كلها؟ قال الارتكاس.

وقيل لعبد الله بن جعفر: ما أطيب العيش؟ قال: هتك الحياء واتباع الهوى.

وقيل لعمرو بن العاص: ما أطيب العيش؟ قال: ليقم من هنا من الأحداث قال:

فلما قاموا، قال: [أطيب] العيش كله إسقاط المروءة.

وأي شيء أثقل على النفس من مجاهدة الهوى ومكابدة الشهوة؟ ومن ذلك كان سوء الاختيار أغلب على طبائع من حسن الاختيار.

[المبرد وكتابه الروضة]

ألا ترى أن محمد بن يزيد النحوي- على علمه باللغة ومعرفته باللسان- وضع كتابا سماه بالروضة، وقصد فيه إلى أخبار الشعراء المحدثين، فلم يختر لكل شاعر إلا أبرد ما وجد له، حتى انتهى إلى الحسن بن هانيء- وقلما يأتي له بيت ضعيف، لرقة فطنته، وسبوطة بنيته، وعذوبة ألفاظه- فاستخرج له من البرد أبياتا ما سمعناه ولا رويناها، ولا ندري من أين وقع عليها، وهي:

من سوء الاختيار

ونظير هذا من سوء الاختيار، ما تخيّره أهل الحذق بالغناء والصانعون للألحان من الشعر القديم والحديث؛ فإنهم تركوا منه الذي هو أرق من الماء، وأصفى من الهواء؛ وكلّ مدني رقيق، قد غذي بماء العقيق، وغنّوا بقول الشاعر:

فلا أنسى حياتي ما *** عبدت الله لي ربا

وقلت لها أنيليني *** فقالت تعرف الذّنبا!

ولو تعلم ما بي لم *** تر الذنب ولا العتبا

وأقلّ ما كان يجب في هذا الشعر، أن يضرب قائله خمسمائة، وصانعه أربعمائة، والمغنّي به ثلاثمائة، والمصغي إليه مائتين! ومثله:

كأنها الشمس إذا ما بدت *** تلك التي قلبي لها يضرب

تلك سليماي إذا ما بدت *** ومن أنا في ودّها أرغب

كأنّ في النفس لها ساحرا *** ذاك الذي علمه المذهب

يعني المذهب الحبي ومثله:

يا خليلي، أنتما عللاني *** بين كرم مزهر وجنان

خبّراني أين حلت منايا *** يا عباد الله لا تكتماني

إنما حلت بواد خصيب *** ينبت الورس مع الزعفران

حلفا بالله لو وجداني *** غرقا في البحر ما أنقذاني

ومثله:

أبصرت سلمى من منى *** يوما فراجعت الصّبا

يا درّة البحر متى *** تشهد سوقا يشترى

ومثله:

يا معشر الناس هذا *** أمر وربّي شديد

لا تعنفي يا فلانه *** فإنّني لا أريد

ومثله:

أرقت فأمسيت لا أرقد *** وقد شفني البيض والخوّد

فصرت لظبي بني هاشم *** كأني مكتحل أرمد

أقلّب أمري لدى فكرتي *** وأهبط طورا فما أصعد

وأصعد طورا ولا علم لي *** على أنني قبلكم أرشد

ومثله:

ما أرجّي من حبيب *** ضنّ عني بالمداد

لو بكفّيه سحاب *** ما ارتوت منه بلادي

أنا في واد ويمسي *** هو لي في غير واد

ليته إذ لم يجد لي *** بالهوى ردّ فؤادي

ومثله:

ما لسلمى تجنّبت *** ما لها اليوم ما لها

إن تكن قد تغضّبت *** أصلح الله حالها

باب من رقائق الغناء

[باب من رقائق الغناء]

[لإسحاق في شعر الراعي]

: قال الزبير بن بكار: سألت إسحاق: هل تغني من شعر الراعي شيئا؟ قال: وأين أنت من قوله:

فلم أر مظلوما على حال عزّة *** أقلّ انتصارا باللسان وباليد

سوى ناظر ساج بعين مريضة *** جرت عبرة منها ففاضت بإثمد

[لابن الدمينة]

ومن شعر ابن الدمينة، وهو عبد الله بن عبيد الله، والدمينة أمّه، وهو من أرق شعراء المدينة بعد كثيّر عزة وقيس بن الخطيم:

بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له *** ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب

ولم يعتذر عذر البريء ولم تزل *** له بهتة حتى يقال مريب

جرى السّيل فاستبكاني السّيل إذ جرى *** وفاضت له من مقلتيّ غروب

وما ذاك إلّا أن تيقّنت أنه *** يمرّ بواد أنت منه قريب

يكون أجاجا قبلكم فإذا انتهى *** إليكم تلقّى طيبكم فيطيب

أيا ساكني شرقيّ دجلة كلّكم *** إلى القلب من أجل الحبيب حبيب!

ومن قول يزيد بن الطثرية، وغنى به ابن صياد المدني وغيره:

بنفسي من لو مرّ برد بنانه *** على كبدي كانت شفاء أنامله

ومن هابني في كلّ شيء وهبته *** فلا هو يعطيني ولا أنا سائله

ومما يغني به من قول جرير:

أتذكر إذ تودّعنا سليمى *** بعود بشامة؟ سقي الشام!

بنفسي من تجنّبه عزيز *** عليّ ومن زيارته لمام

ومن أمسي وأصبح لا أراه *** ويطرقني إذا هجع النّيام

متى كان الخيام بذي طلوح *** سقيت الغيث أيّتها الخيام

ومما غنى به نومة الضحى:

يا موقد النار قد أعيت قوادحه *** اقبس إذا شئت من قلبي بمقباس

ما أوحش الناس في عيني وأقبحهم *** إذا نظرت فلم أبصرك في الناس

ومما يغنّى به من شعر ذي الرّمة، وهو من أرق شعر يغنى به، قوله:

لئن كانت الدنيا علي كما أرى *** تباريح من ذكراك فالموت أروح

وأكثر ما كان يغني معبد بشعر الأحوص، ومن جيد ما غنى به له قوله:

كأني من تذكر أم حفص *** وحبل وصالها خلق رمام

صريع مدامة غلبت عليه *** تموت لها المفاصل والعظام

سلام الله يا مطرٌ عليها *** وليس عليك يا مطر السلام

فإن يكن النكاح أحل شيئاً *** فإن نكاحها مطراً حرام

ومن شعر المتوكل بن عبد الله بن نهشل وكان كوفيا في عصر معاوية، وهو القائل:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله

قفي قبل التفرق يا أماما *** وردي قبل بينكم السلاما

ترجيها وقد شطت نواها *** ومنتك المنى عاماً فعاما

فلا وأبيك لا أنساك حتى *** تجاوب هامتي في القبر هاما

ومما يغنى به من شعر عدي بن الرقاع:

تزجي أغن كأن إبرة روقه *** قلمٌ أصاب من الدواة مدادها

ولقد أصبت من المعيشة لذةً *** ولقيت من شظف الخطوب شدادها

وعلمت حتى ما أسائل عالماً *** عن حرف واحدة لكي أزدادها

مراجع بيبليوغرافيّة